الازمنه والامكنه - المرزوقي الأصفهاني، أبو علي - الصفحة ٥٣٥ - الباب السّتّون في ذكر الأوقات المحمودة للنّوء والمطر وسائر الأفعال ، وذكر ما يتطيّر منه أو يستدفع الشّر به
أثار الرّهج في جمعها ووصفها ، والكلام عليها وعلى المتدّينين بعبادتها ، وأنا أذكر منها هنا ما يكتفى به إن شاء اللَّه تعالى .
قال الجاحظ : قال اللَّه تعالى : * ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْه تُوقِدُونَ ) * [ سورة يس ، الآية : ٨٠ ] النار من أكبر الماعون ، وأعظم المرافق ، ولو لم يكن فيها إلَّا أنّ اللَّه تعالى جعلها الزّاجرة عن المعاصي ، لكان في ذلك ما يزيد في قدرها ونباهة ذكرها وقال تعالى : * ( نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعاً لِلْمُقْوِينَ ) * [ سورة الواقعة ، الآية : ٧٣ ] فالعاقل المعتبر إذا تأمل قوله تعالى : * ( نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ) * تصوّر ما فيها من النّعم أولا ومن النقم آخرا . وقد عذّب اللَّه تعالى الأمم بأنواع العذاب ولم يبعث عليهم نارا لأنّه جعلها من عذاب الآخرة .
قال : ومن النّيران بعدما ذكرها من أنّ العرب في الجاهليّة كانت تستمطر بالنّار التي كانوا يوقدونها عند التّحالف ، فلا يعقدون حلفهم إلَّا عندها ، وكانوا يقولون في الحلف :
الدّم الدّم والهدم الهدم لا يزيده طلوع الشّمس الأشدا ، وطول اللَّيالي الأمدا ، وما بلّ البحر صوفة ، وما أقام رضوى في مكانه ، إذ كان جبلهم رضوى أو ما أنفق من مشاهير بلادهم يؤكَّدون العقود بمثل ذلك ، وعلى هذا ما ورد في الخبر أنّ النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال للأنصار لمّا أرادوا أن يبايعوه ، فقال أبو الهيثم بن التّيهان : إنّ بيننا وبين القوم حبالا نحن قاطعوها ونخشى إن اللَّه أعزّك وأظهرك أن ترجع إلى قومك ، فتبسّم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ثم قال : « لا بل الدّم الدّم ، والهدم الهدم ، واللَّدم اللَّدم » أي حرمتي مع حرمتكم أطلب الدّم بطلبكم ، وأعفو بعفوكم ، فأجرى الكلام صلى اللَّه عليه وسلم على ما كان يجرونه حينئذ عند التّحالف وقال الشّاعر :
ثم الحقي بهدمي ولدمي : أي أصلي وموضعي . والهدم متحركا المهدوم . وقال أوس يصف عيرا :
وكان قوم اختلفوا عند نار فغشوها حتّى محشتهم النّار ، فسمّوا المحاش . لذلك قال النّابغة يخاطب رئيسهم .
ونار أخرى : وهي التي كانوا يوقدونها خلف المسافر والزائر الذي لا يريدون رجوعه .
لذلك قال بشار :
ونار أخرى توقد لجمع النّاس للحرب ، وتوقّع جيش عظيم . قال عمرو بن كلثوم :