الازمنه والامكنه - المرزوقي الأصفهاني، أبو علي - الصفحة ١٢٢ - الباب الرّابع في ذكر ابتداء الزّمان وأقسامه
الحوت - والجوزاء - والسّنبلة - والقوس - تسمّى ذوات جسدين لامتزاج طبيعة كل فصل بطبيعة الفصل الذي يليه . وذكر بعضهم أنّ أهل الحجاز يجعل للسنّة ستة فصول وسميا وشتاء وربيعا فهذه أزمنة الشتاء وصيفا وحميما وخريفا فهذه أزمنة الصّيف .
و اعلم أنهم يبدئون من الأوقات باللَّيل كما يبتدئون من الزّمان بالشّتاء ولذلك صار التاريخ به من دون النّهار ، وإنّما كان عندهم كذلك لأن الظَّلمة الأول والضّياء داخل فيه وكل معتبرهم بمسير القمر فمستهلَّه جنح العشاء وطلوعه تحت البيات . فلولا أنّ نوره ونور الشّمس يجلوان الهواء لكان الظَّلام راكدا فهو أقدم ميلادا وأسبق أوانا ، وألذّ استمتاعا ، وأوثر مهادا وأغزر مطرا ، وأروى سحابا ، وأندى ظلا ، وأهول جنانا ، وأطيب نسيما ، وأفضل أعمالا . ولذلك قدمه اللَّه تعالى في رتبة الذكَّر ورتبة الوصف فقال تعالى : * ( وجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً ) * [ سورة النّبأ ، الآية : ١٠ - ١١ ] فرتبة الذكَّر ظاهرة من التّلاوة كما ترى ، ورتبة الوصف أن السّكن واللَّباس مقدمان على السّبح والمعاش في متصرفات الأنام .
ثم بعد ذلك هما أخو الهدو والقرار اللَّذين منهما يبتدئ النّشاء والنّماء . وقال تعالى عند الأقسام بالزمان : * ( واللَّيْلِ إِذا يَغْشى والنَّهارِ إِذا تَجَلَّى ) * [ سورة الليل ، الآيتان : ١ - ٢ ] * ( وجَعَلْنَا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً ) * [ سورة الإسراء ، الآية : ١٢ ] فلا موضع أجرى ذكرهما إلا واللَّيل مقدّم ، ثم فضل تبتيل المجتهد وترتيل القارئ ، وابتهال المستغفر فيه على ما يكون منها في غيره فقال تعالى : * ( والْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحارِ ) * [ سورة آل عمران ، الآية : ١٧ ] وفي موضع آخر : * ( وبِالأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) * [ سورة الذاريات ، الآية : ١٨ ] * ( إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وأَقْوَمُ قِيلًا ) * [ سورة المزمل ، الآية : ٦ ] كلّ ذلك لأنه الأول المقدم ، والأصل الموصل ، والأوان الممهد للرّاحة والوقت الموجه للرّفاهية ، وكذلك قالوا عند المدح : ما أمره عليه بغمة ولا ليله عليه بسرمد . وقال النابغة :
فقال : كاللَّيل ولم يقل كالصبّح وانكان المغر من كل لا يطاق وقال بعضهم : إنما قال كاللَّيل لأنه كان عليه غضبان . وقد قيل اللَّيل أخفى للويل وأخذ الفرزدق قول النّابغة هذا شعرا :
جعل الرّيح بإزاء اللَّيل واللَّيل أعم ، والمستحسن قول النبي صلى اللَّه عليه وسلم : « نصرت بالرّعب وجعل رزقي تحت ظل رمحي ، وليدخلَّن هذا الدّين على ما دخل عليه اللَّيل » يعني الإسلام ،