المعالم الأثيرة في السنة و السيرة - حميد الله، محمد - الصفحة ٦٤ - تمهيد في صفة المسجد الأقصى
التوحيد الذي جاءت به الأنبياء كلها، هم أولى الناس بميراث قواعد المسجد الأقصى، لأن اللّه أراده أن يكون للموحّدين المؤمنين برسالات الأنبياء، و ليس في الدنيا من هو على رسالة التوحيد غير المسلمين، بل يرث المسلمون المسجد الأقصى، و بيت المقدس بحقّ أن أول من سكنها من الناس هم اليبوسيّون من العرب الكنعانيين، و بقوا صامدين فيها حتى بعد أن تمكن يوشع- بعد موسى- من دخول بعض أجزاء فلسطين، و بقيت على عربيتها حتى جاء داود و تمكن من دخولها، و مع ذلك لم يبرحها جميع أهلها، لأنهم هم الذين عملوا- في أيام داود- على تعمير المدينة و المساعدة في بناء الهيكل، و لم يدم حكم اليهود لها إلا مدة قصيرة لم تزد على مائة سنة في عهدي داود و سليمان، ثم عاد الحقّ إلى أهله بعد تشتت ورثة مملكة سليمان ..
و يدلّك على ذلك أن القدس و فلسطين، كانت عربية خالصة العروبة، و تتوالى إليها الهجرات العربية، قبل الإسلام بحوالي عشرة قرون، و ما كان الحكم الفارسي، و اليوناني، و الروماني، إلا عن طريق حاميات موزعة في أنحاء البلاد، أو عن طريق التبعية السياسية، و لم تكن لهؤلاء هجرة جماعية، و لذلك يقول أحد خبراء الأجناس: «إنّ رأي الفقهاء الأكفاء من أهل الخبرة و المعرفة أن فلاحي فلسطين الناطقين بالعربية، هم أخلاف للقبائل الكنعانية التي كانت تعيش هناك قبل الغزو الإسرائيلي- زمن موسى- و ظلت أقدامهم ثابتة في التربة منذ ذلك التاريخ».
و أما القول: إن عرب فلسطين و الشام من سلالات العرب المسلمين الفاتحين، فهي فرية صهيونية روجتها في بلاد الغرب، و كاد أن يصدقها العرب أيضا ... و المقام يطول، إذا أتينا بالأدلّة على عروبة فلسطين عبر التاريخ، و لعلها تحتاج إلى مجلس مستقل آخر.
* و أقول بإيجاز: إن عروبة فلسطين، و أحقية العرب المسلمين بها، ظهرت في حكمة الإسراء و المعراج، و في سيرة الرسول (عليه السلام).
أما حكمة الإسراء و المعراج: فلأن اللّه تعالى أسرى برسوله إلى القدس، ثم عرج به إلى السماء من هناك، و لم يعرج به من مكة، للدلالة على الرابط الذي يربط بين القدس و مكة برابط واحد، و هو التوحيد الذي أوحاه اللّه إلى أنبيائه من السماء .. و فيه أيضا من الحكمة أن تكون فلسطين من مواطن نشر الدعوة الأولى، بعد انتشارها في وسط الجزيرة العربية، فقد جاء الإسلام إلى العرب أولا، ثم إلى الناس الآخرين ثانيا،