المعالم الأثيرة في السنة و السيرة - حميد الله، محمد - الصفحة ٦٢ - تمهيد في صفة المسجد الأقصى
و إذا زدنا ثلاثين سنة على ميلاد سيدنا إسماعيل، ليساعد أباه إبراهيم في بناء الكعبة، وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ، فإنه يكون بين بناء الكعبة، و بين بناء المسجد الأقصى على يد داود أكثر من ثمانمائة سنة ... مع أن الحديث الشريف ينصّ على أن بين بناء المسجدين أربعين سنة ..
و الجواب عن هذا الإشكال: أن الحديث الشريف يشير إلى أول من وضع أساس المسجدين، و أول من ابتدأ البناء. و ليس إبراهيم (عليه السلام) أول من بنى الكعبة، و لا داود أو سليمان أول من بنيا مسجد بيت المقدس. و الأدلّة على أن إبراهيم لم يبن الكعبة، و إنما رفعها كثيرة:
(أ) جاء في الحديث الذي رواه البخاري عن ابن عباس، أن إبراهيم (عليه السلام) عند ما وضع ابنه إسماعيل مع أمه هاجر، رفع يديه و قال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ .. و لم يكن إبراهيم قد بنى البيت بعد، و إنما بناه عند ما شبّ إسماعيل و تعاونا في البناء. و معنى هذا أن البيت كان موجودا، لأنه قال: «عند بيتك المحرّم».
(ب) و في الحديث أيضا الذي رواه البخاري، أن الملك جاء إلى أم إسماعيل بعد أن تركهم إبراهيم، و قال لها: «لا تخافوا الضّيعة، فإن هاهنا بيت اللّه، يا بني هذا الغلام و أبوه، و إنّ اللّه لا يضيع أهله، و كان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه و شماله ..».
(ج) و في قوله تعالى: «و إذ بوّأنا لإبراهيم مكان البيت»، أي: أعلمه مكانه، و قد جاء في الحديث الذي رواه البيهقي في الدلائل عن عبد اللّه بن عمرو مرفوعا: «بعث اللّه جبريل إلى آدم، فأمره ببناء البيت، فبناه آدم ثم أمره بالطواف به». و في حديث آخر:
«لما كان زمن الطوفان رفع البيت، و كان الأنبياء يحجّونه و لا يعلمون مكانه، حتى بوّأه اللّه لإبراهيم و أعلمه مكانه».
(د) و جاء في البخاري: قال إبراهيم:
«يا إسماعيل، إنّ اللّه أمرني بأمر، قال:
فاصنع ما أمرك ربّك، قال: و تعينني؟ قال:
و أعينك، قال: فإن اللّه أمرني أن أبني هاهنا بيتا و أشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، قال: «فعند ذلك رفعا القواعد من البيت».
و روى الإمام أحمد، عن ابن عباس:
القواعد التي رفعها إبراهيم، كانت قواعد البيت قبل ذلك» ...
* و إذا ثبت بالأدلة، أن إبراهيم (عليه السلام)، لم يؤسّس المسجد و إنما رفع قواعده القديمة، و جاءت الآثار التي يعضد