تحفه الطالبين في ترجمه الإمام النووي - ابن العطار - الصفحة ٩
وهؤلاء علماء المسلمين في بلاد السلطان أعز الله أنصاره، متفقون على هذا، وبيت المال معمور، زداه الله عمارة وسعة وخيراً وبركة في حياة السلطان، المقرونة بكمال السعادة له والتوفيق والتسديد والظهور على أعداء الدين، (وَمَا النَّصْرُ إلا مِن عند الله) إنما يستعان في الجهاد وغيره لافتقار إلى الله واتباع آثَارَ النبي صلى الله عليه وسلم، وملازمه أحكام الشرع، وجميع ما كتبناه أولا وثانياً، هو النصيحة التي نعتقدها، وندين الله بها، ونسأله الدوام عليها حتى نلقاه.
والسلطان يعلم إنها نصيحة له، وللرعية، وليس فيها ما يلام عليه، ولم نكتب هذا للسلطان إلا لعلمنا بأنه يحب الشرع ومتابعة أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في الرفق بالرعية، والشفقة عليهم وإكرامهم لآثار النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ناصح للسلطان موافق على هذا الذي كتبناه.
وأما ما ذكر في الجواب من كوننا لم ننكر على الكفار حتى كانوا في البلاد، فكيف يقاس ملوك الإسلام وأهل القرآن بطغاة الكفار! وبأي شيء كنا نذكر طغاة الكفار، وهم لا يعتقدون شيئاً من ديننا! وأما تهديد الرعية بسبب نصيحتنا وتهديد طائفة، فليس هو المرجو من عدل السلطان وحلمه، وأي حيلة لضعفاء المسلمين الناصحين نصيحة للسلطان ولهم، ولا علم لهم به، وكيف يؤاخذون به لو كان فيه ما يلام عليه.
وأما أنا في نفسي فلا يضرني التهديد، ولا أكثر منه، ولا يمنعني ذلك من نصيحة السلطان. فإني أعتقد أن هذا واجب عَليَ وعلى غيري، وما ترتب عليه الواجب فهو خير وزيادة عند الله تعالى (إنماَ هذه الحَيَاةُ الدُنْيَا مَتَاعٌ، وإنَّ الآخرةَ هيَ دَارُ القَرَار) (وأفَوِّضَ أمْريِ إلى اللهِ بَصيِرٌ بِالعَبادِ) .
وقد أمرنا رسول الله صلى الله وسلم أن نقول بالحق حيثما كنا، وأن لا نخاف في الله لوم لائم، ونحن نحب للسلطان معالي الأمور، وأكمل الأحوال، وما ينفعه في آخرته ودنياه ويكون سبباً لدوام الخيرات له، ويبقى ذكره له على الأيام، يخلد في سننه الحسنة ويجد نفعاً (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراٍ) .
وأما ما ذكر من تهيئة السلطان البلاد، وإدامته الجهاد، وفتح الحصون، وقهر الأعداء، فهذا بحمد الله من الأمور الشائعة التي اشترك في العلم بها الخاصة والعامة، وصارت في أقطار الأرض، وثواب ذلك مدخر للسلطان إلى يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً، ولا حجة لنا عند الله إذا تركنا النصيحة الواجبة علينا والسلام عليكم ورحمة الله بركاته والحمد لله رب العالمين.
ومما كتبه لما احتيط به على أملاك دمشق حرسها الله تعالى بعد إنكاره مواجهة للسلطان الظاهر. وعدم إفادته وقبوله:
؟؟ بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: (وَذكِّر إنِ الذَّكْرَي تَنْفَع المُؤْمِنِنَ) ، وقال الله تعالى: (وَإذ اخَذَ الله ميثَاقَ الذيِنَ أوتُواً الكِتَابَ لتُبَيَّننهُ لِلناس وَلاَ تَكتُمونَهُ) .
وقال تعالى: (وَتَعاوَنُوا عَلى البرِّ والتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ على الإِثمً والعُدْوانِ) .
وقد أوجب الله تعالى على المكلفين نصيحة السلطان أعز الله أنصاره ونصيحة عامة للمسلمين. ففي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدين النصيحة لله ولكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم) ومن نصيحة السلطان وفقه الله لطاعته، وتولاه بكرامته، أن ينهى إليه الأحكام إذا جرت على خلاف قواعد الإسلام، وأوجب الله تعالى الشفقة على الرعية، والاهتمام بالضعفة وإزالة التضرر عنهم، قال الله تعالى: (واَخْفِضْ جَنَاحَكَ للمُؤمِنِينَ) .
وفى الحديث الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) .
وقال صلى الله عليه وسلم: (اللهم من ولى من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فأفرق به، ومن شق عليهم فأشقق عليه) .
وقال صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكل مسئول عن رعيته) وقال صلى الله عليه وسلم: (إن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) .