تحفه الطالبين في ترجمه الإمام النووي

تحفه الطالبين في ترجمه الإمام النووي - ابن العطار - الصفحة ٢٧

متى ذكرناك قد فاضت مدامعنا ... حتى جرت من دموع العين عِذران
ينوح كل امرئ من فرط لوعته ... حتى لقد فرحت بالدمع أجفان
من ذا يبوح إذا بانت أحبته ... أولا يسيل ما على خديه عَقَبْان
الناس طرا على ذكراك في حرق ... وليس يعرض وذكراك نسيان
قد سال بحر دماء من لواحظهم ... مذ قام مكتئبا يبكيك عثمان
عساك تشفع فيه حيث قام غدا ... لينمحى ذنبه فالله رحمان
فإنه مذنب عاص ومعترف ... وقد ملأ صحفه سوء وعصيان
يا نفس لا تخدعي باللهو واتعظى ... فإن ويحك عند الله خسران
كم من اناس من الأخيار قد عدموا ... كأنهم ساعة في الدهر ما كانوا
لا تطمعى في البقايا نفس بعدهم ... فإن كل الورى في الدهر ضيفان
فصل في عدم بناء قبه على ضريحه
لما توفى رضي الله عنه أراد أهله وأقاربه وجيرانه أن يبنرا على ضريحه قبة وأجمعوا على ذلك، إذ جاء - رضي الله عنه - إلى أكبر امرأة من قرابته في النوم أظنها عمته، وقال لها قولي: لأخي والجماعة لا يفعلوا هذا الذي قد عزموا عليه من البنيان فإنهم كلما بنوا أشياء تهدمت عليهم، فانتبهت مزعجة فقصت عليهم الرؤيا لا فامتنعوا عن البنيان، وحوطوا على قبره بحجارة تمنع الدواب وغيرها.
وقال لي جماعة من أقاربه وأصحابه بنوي إنهم ساءلوه يوماً أن لا ينساهم في عرصات القيامة فقال لهم: إن كان ثم جاه والله لا دخلت الجنة وواحداً ممن أعرفه ورائي ولا أدخلها إلا بعدهم فرحمه الله ورضى عنه.
لقد جمعت هذه الحكاية من الأدب مع الله عز وجل ومن الكرم مالا يخفى على متأمل فطن.
فصل مواجهته لعلماء السوء
قال المؤلف رضي الله عنه! كنت بين يديه طيب ثراه لتصحيح درس عليه في مختصر علوم الحديث الأصغر له، فلما فرغت منه. قال لي: رأيت الليلة في المنام كأني كنت سابحاً في بحر، وكأني خرجت منه إلى شاطئه، وإذا أنا بشخص فيه قد غرق وتعلق بخشبة على وجه الماء لحظة ثم غرق. قلعت يا سيدي علمت الشخص من هو؟ قال: نعم. قلت: من هو قال: ابن النجار. قلت في أوانه، قال: يظهر قليلاً ثم يخفى خفاء لا ظهور بعده مع نقاق قلبه. وكان من قصته المذكورة وهى إنه سعى في إحداث أمور على المسلمين باطلة فقام الشيخ قدس الله روحه مع جماعة من علماء المسلمين فأزالوها بأذن الله تعالى ونصر الله، الحق وأهله، فغضب لذلك لكراهية مصلحة المسلمين ونصيحة الدين وبعث إلى الشيخ يتهدده ويقُول: أنت الذي تحزب العلماء على هذا، فكتب إليه الشيخ قدس الله روحه كتاباُ هذه صورته:
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، من عبد الله يحيى النووي.
اعلم أيها المقصر في التأهب لمعاده، التارك مصلحة نفسه في تهيئة جهاده له وزاده، أني كنت لا أعلم كراهتك لنصرة الدين ونصيحة السلطان حملاً منى لك ما هو شأن المؤمنين من إحسان الظن بجميع الموحدين، وربما كنت أسمع في بعض الأحيان من يذكرك بغش المسلمين فأنكر عليه بلساني وبقلبي لأنها غيبة لا أعلم صحتها ولم أزل على هذا الحال إلى هذه الأيام فجري ما جرى من قول قائل للسلطان وفقه الله الكريم للخيرات إن هذه البساتين يحل انتزاعها من أهلها عد بعض العلماء، وهذا من الافتراء الصريح والكذب القبيح، فوجب علي، وعلى جميع من علم هذا من العلماء أن يبين بطلان هذه المقالة، ودحض هذه الشناعة؛ فإنها خلاف إجماع المسلمين، وإنه لا يقول بها أحد من أئمة الدين وأن يُنهوا ذلك إلى سلطان المسلمين فأنه يجب على الناس نصيحته لقول النبي صلى الله عليه وسام في الحديث الصحيح: (الدين النصيحة لله ولكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم) .