تحفه الطالبين في ترجمه الإمام النووي

تحفه الطالبين في ترجمه الإمام النووي - ابن العطار - الصفحة ٦

ذكر لي شيخنا العارف القدوة المسلك ولي الدين أبو الحسن علي، المقيم بجامع بيت لهيا خارج دمشق، قال: كنت مريضاً بمرض يسمى (النقرس) في رجلي فعادني الشيخ محيي الدين - قدس الله روحه - العزيز فلما جلس عندي شرع يتكلم في الصبر قال: فكلما تكلم جعل الألم يذهب قليلاً قليلاً فلم يزل يتعَلم فيه حتى زال جميع الألم، وكأن لم يكن قط.
قال: وكنت قبل ذلك لم أنم الليل كله من الألم، فعرفت أن زوال الألم من بركته رضي الله عنه.
وذكر لي صاحبنا في القراءة على الشيخ رضي الله عنه لمعرفة السنن للطحاوي الشيح العلامة المفتي رشيد الدين إسماعيل بن المعلم الحنفي رحمه الله قال: كنت عذلت الشيخ محيي الدين رضي الله عنه في عدم دخوله الحمام وتضييق عيشه في أكله ولبسه وجميع أحواله.
وقلت له: أخشى عليك مرضاً يعطلك عن أشياء أفضل مما تقصده قال فقال: إن فلاناً صام وعبد الله تعالى حتى اخضر عظمه.
قال: فعرفت إنه ليس له غرض في المقام في دارنا ولا يلتفت إلى ما نحن فيه.
ورأيت رجلاً من أصحابه قشر له خيارة ليطعمه إياها، فأمتنع عن أكلها، وقال: أخشى أن يرطب جسمى، ويجلب النوم.
وكان رضي الله عنه لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلة واحدة بعد العشاء الآخرة، ولا يشرب إلا شربة واحدة عند السحر، وكان لا يشرب الماء المبرد وكان لا يأكل فاكهه دمشق فسألته عن ذلك فقال: دمشق كثيرة الأوقاف، وإملاك من هو تحت الحجر شرعاً والتصرف لهم لا يجوز لأوجه الغبطة والمصلحة والمعاملة فيها على وجه المساقاة، وفيه اختلاف بين العلماء: فمن جوزها قال: جوزها بشرط المصلحة والغبطة لليتيم والمحجور عليه، والناس لا يفعلونها إلا على جزء من ألف جزء من الثمرة للمالك، فكيف تطيب نفسي بأكل ذلك. وقال لي الشيخ العارف المحقق المكاشف أبو عبد الرحيم الأخميمي. قدس الله روحه ونور ضريحه: كان الشيخ محيي الدين رضي الله عنه سالكاً منهاج الصحابة. رضي الله عنهم، ولا أعلم في عصرنا سالكا، منهاجهم غيره.
وكتب شيخنا أبو عبد الله محمد الظهير، الحنفي الأربلي شيخ الأدب في وقته رحمه الله تعالى في كتاب (العمدة في تصحيح التنبيه) ، للشيخ قدس الله روحه وسألني مقابلته معه بنسختي ليكون له رواية عنه مني، فلما فرغنا من ذلك قال لي: ما وصل الشيخ تقي الدين بن الصلاح إلى ما وصل إليه الشيخ محيى الدين من الفقه والعلم والحديث واللغة وعذوبة اللفظ والعبارة.
فصل في كتبه
صنف - رحمه الله - كتبا في الحديث والفقه عم النفع بها، وانتشر في أقطار الأرض ذكرها منها: المنهاج في الفقه، وشرح مسلم، ومنها المبهمات، ورياض الصالحين، والأذكار، وكتاب الأربعين، والتيسير في مختصر الإرشاد في علوم الحديث. ومنها الإرشاد، ومنها التحرير في ألفاظ التنبيه، والعمدة في صحيح التنبيه، والإيضاح في المناسك، والإيجاز في المناسك، والمناسك الثالث والرابع والخامس والسادس، ومنها التبيان في آداب حملة القرآن ومختصره، ومنها مسألة الغنيمة، وكتاب القيام، ومنها كتاب الفتاوي ورتبته أنا، ومنها الروضة في مختصر شرح الرافعي، ومنها المجموع في شرح المهذب إلى المعراة.
ومنها كتب ابتدأها ولم يتمها، عاجلته المنية، وقطعة في شرح التنبيه، وقطعة في شرح البخاري، وقطعة يسيره في شرح سنن أبي داود، وقطعة في الإسناد على حديث الأعمال والنيات، وقطعة في الأحكام، وقطعة كبيرة في التهذيب للأسماء واللغات، وقطعة مسودة في طبقات الفقهاء، ومنها قطعة في التحقيق في الفقه إلى باب صلاة المسافر، ومنها كتاب المنهاج في مختصر المحور للرافعي وشرح ألفاظه منه، ومسودات كثيرة. ولقد أمرني ببيع كراريس نحو ألف كراس بخطه وأمرني بأن أقف على غسلها في الوراقة، وخوفني إن خالفت أمره في ذلك فما أمكنني إلا طاعته، وإلى الآن في قلبي منها حسرات.
ولما اختصر المحرر للرافعي رحمه الله المسمى (بالمنهاج) حفظه بعد موته خلق كثير، ووقف عليه في حياته شيخنا الأديب الفاضل رشيد الدين أبو حفص إسماعيل بن مسعود الفارقي شيخ الأدب في وقته، فامتدحه بأبيات حسنة، وقف عليها الشيخ بخطه:
واعتنى بالفضل يحيى فاغتنى ... من بسيط بوجيز نافع
وتجلى بتقاه فضله ... فتجلى بلطيف جامع