تحفه الطالبين في ترجمه الإمام النووي - ابن العطار - الصفحة ١٧
تَبْكيه دار للحديث وأهلها ... لخُلوْها من فضله المعتاد
لم يَبق بعدَك للصحيح مُعَّرفُ ... قد كنت فيه جهْبذا النقاد
من ذا يبين مرسلاً من مُسند ... أو من حديث عُدَّ في الأفراد
أو كان مقطوعاً ضعيفاً مُعضلاً ... أو كان موضوعاً لذي إلحاد
أو من يبين منكراً في مَتْنِهِ ... أو من يعرَف عِلَة الإسنْادِ
من ذا لِدفع المنكرات وقد غَدَتْ ... بين الأنام كثيرة التردادِ
أنهكت جسمك بالصيام مراضياً ... وسهرتَ غير ممتع رقادِ
ونَصرْتَ دين الله وحدك جاهداً ... ورفعت منه شَبهة المراد
حتى حصلت على علوم جمة ... وفسرت أخبار النبي الهادي
تُشفي النفوس إذا أجيب سؤال ... من يلقى عليك دقائق الإيراد
الواضحات من الأدلة كلها ... ونص القران بذهنك الوقاد
وزهدت في الدنيا وفى لذتها ... وكُتبت عند الله في الزهادِ
أوحشت حلق إذا فقدت وأهلها ... من بعد أنس خالص وواددِ
يبكيك جامع حلق لما خلا ... منه تهجده على الأباد
يبكيه صحَبُ كان يجمع شَملهم ... فيه بشرح شارح لفؤادي
يا حبذا تلك الخلائق والنهي ... ما كان أبردها على الأكباد
يا حبذا من مستشار ناصح ... بمشورة تأتي بكل رشاد
قد كنت غيثاً للبلاد وأهلها ... تسعى بك الأرضون عند جهادِ
وقد كنت نوراً للبلاد وأهلها ... قد عاد بعدك مبدلاً بسواد
فبكينه لما ثوي بثرى نوى ... وفائي فقد أصمى صميم فؤادي
فقد سلبناه وبدل قربه ... لما حواه لحده له بيعاد
قد كان يسلينا محاسن علمه ... عن سالف الأباء والأجداد
أتري يعود لنا ليالي أنسكم ... هيهات لكن ذاك يوم معادِ
حقا البكا على الإمام لفقدكم ... حزناً وحق تفتت الأكباد
تَركوا منازلهم وساروا سرعة ... تتري كأنهم حداهم حادي
غدتْ المنونَ عليهم فتتابعوا ... فكأنما كانوا على ميعاد
ماذا اَمل بعدهم من لذة ... تبقى وهم كانوا جميع فؤادي
يا صائرا هدْا المصير إلا أشفق ... من عقلة تردي وطول رقادي
واعمل لنفسك قبل سكنان الثرى ... وَتصير في لحد من الألحاد
لا تستطيع إذا لنفسك حيلة ... وأحذر هواك فهو بالمرصاد
ما الناس إلا غافلون عن الهدى ... في هذه الدنيا سوي الزهاد
يا رب فاجبر كسرناً فيمن مضى ... منهم وأقظنا لاستعداد
واختم لنا بالخير عند مماتنا ... أنت الكريم وملجأ القصاد
والحمد لله المهيمن دائماً ... ثم الصلاة على النبي الهادي
وآل والأصحاب ثم سلامه ... ما عزّت ورق على الأعوادِ
وقال الشيخ الفاضل المحدث أبو الحسن على بن إبراهيم المظفر يرثي شيخنا الإمام العلامة الحافظ المفتي الزاهد الورع نموذج الطراز الأول محيي الدين النووي الشافعي رضي الله متقربا بذلك إلى الله سبحانه وتعالى:
لهفي عليه سيّداً وحَصُورا ... سَنَداً َلأعلام الهُدى وظهيرا
ومجاهداً ومجاهراً في الله لا ... يخشى مليكاً قاهراً أو أميراً
ومشيّداً ركن الشريعة ناصحاً ... بالباقيات الصالحات مُشيراً
ما أن يبالي راح معذولا إذا ... نصَحَ الورَى لله أو مَعذوراً
عَف الدنيا وكم عُرضتَ له ... جلا فأولاها قلى ونفورا
لم يصبح ألودقَ المزخرف رائقاً ... يوماً لديه ولا النضار نضيرا