تحفه الطالبين في ترجمه الإمام النووي - ابن العطار - الصفحة ٧
ناصباً أعلام علم جازما ... بمقال رافع المواقع
وكان ابن الصلاح حاضراً ... وكأن ما غاب عنا الشافعي
قال شيخنا العلامة حجة العرب شيخ النحاه، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الجياني رحمه الله وذكر المنهاج لي بعد أن كان وقف عليه، والله لو استقبلت من أمري ما استدبرت لحفظته، وأثنى على حسن اختصاره وعذوبة ألفاظه.
فصل في قناعته وتواضعه واستعداده للموت
وكان رحمه الله لا يأخذ من أحد شيئا، ولا يقبل إلا ممن تحقق دينه ومعرفته، ولا له به علاقه من اقراء وانتفاع به قاصداً الخروج من حديث القوس، والجزاء في الدار الآخرة وربما أنه كان يرى نشر العلم متعيناً عليه مع قناعة نفسه وصبرها، والأمور المتعينة لا يجوز أخذ الجزاء عليها في دار الدنيا بل جزاؤه في الدار الآخرة شرعاً كالقرض الجار إلى منفعه فإنها حرام باتفاق العلماء.
وكنت جالسا بين يديه قبل انتقاله بشهرين ونحوها، وإذا بفقير قد دخل عليه وقال: الشيخ فلان يسلم عليك من بلاد صرخا، وأرسل معي هذا الإبريق لك، فقبله الشيخ وأمرنى بوضعه في بيت حوائجه، فتعجبت من قبوله فشعر بتعجبي وقال: أرسل إلى بعض فقراء زدبولا، وهذا إبريق فهذه آلة السفر.
ثم بعد أيام يسيره كنت عنده فقال لي قد أذن في السفر، فقلت كيف أذن لك؟ قال: أنا جالس هنا يعني ببيته في المدرسة الرواحية وقدامه طاقة مشرفة عليها مستقبلة القبلة إذ مر على شخص في الهوى ومر هنا. ومن كذا (يشير من غرب المدرسة إلى شرقها) وقال قم سافر لزيارة بيت المقدس. وقد حملت كلام الشيخ على سفر العادة فإذا هو السفر الحقيقي. ثم قال: قم حتى تودع أصحابنا وأصحابنا فخرجت معه إلى القبور الذي دفن بها بعض مشايخه فزارهم، وقرأ شيئاً، ودعا وبكى ثم زار أصحابه الأحياء كالشيخ يوسف القفاعي والشيخ محمد الأخميمي وشيخنا الشيخ شمس الدين ابن أبي عمر شيخ الحنابلة. ثم سافر صبيحة ذلك اليوم، وجرى لي معه وقائع، ورأيت منه أمور تحتمل مجلدات، فسار إلى نوى، وزار القدس والخليل عليه السلام ثم عاد إلى نوى، ومرض عقب زيارته بها في بيت والده فبلغني مرضه، فذهبت من دمشق لعيادته ففرح رحمه الله ثم قال لي: ارجع إلى اهلك وودعته وقد أشرف على العافية يوم السبت العشرين من رجب سنة ست وسبعين وستمائة ثم توفي ليلة الأربعاء المتقدم ذكرها الرابع والعشرين من رجب فبينما أنا نائم تلك الليلة مناد ينادي على سدة جامع دمشق في يوم جمعة الصلاة على الشيخ ركن الدين المرقع، فصاح الناس لذلك النداء فاستيقظت فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، فلم يكن إلا ليلة الجمعة عشية الخميس إذ جاء الخبر بموته، وصلى عليه رحمه الله فنودي يوم الجمعة عقيب الصلاة بموته وصلى عليه بجامع دمشق، وتأسف المسلمون عليه تأسفاً بليغاً الخاص والعام، والمداح والذام ورثاه الناس بمراثي كثيرة سيأتي ذكرها آخر الكتاب إن شاء الله تعالى.
فصل في مواجهة الملوك والجبابرة بالإنكار
وكان مواجها للملوك والجبابرة بالإنكار لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان إذا عجز عن مواجهة كتب الرسائل، ويتوصل إلى إبلاغها، فمما كتبه، وأرسلني في السعي فيه، وهو يتضمن العدل في الرعية وإزالة المكس عنهم، وكتب معه في ذلك شيخنا شيخ الإسلام أبى محمد عبد الرحمن ابن الشيخ أبى عمرو، وشيخ الحنابلة، وشيخنا العلامة قدوة. الوقت أبو محمد عبد السلام بن على بن سر الزواوي شيخ المالكية، وشيخنا العلامة قدوة الوقت ذو العلوم أبو بكر بن محمد بن أحمد السويسي المالكي، وشيخنا العارف القدوة أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ العارف ولي الله عبد الله عرف بأبن الأرمني، وشيخنا المفتى أبو حامد محمد بن العلامة أبى الفضائل عبد الكريم بن الجرستاني خطيب دمشق وابن خطيبها.
وجماعة آخرون ووضعها في ورقة وكتبها الأمير بدر الدين بيليك الخزندار، بإيصال ورقه العلماء إلى السلطان الظاهر التركي، وهذه صورتها:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله يحيى النووي: