تحفه الطالبين في ترجمه الإمام النووي

تحفه الطالبين في ترجمه الإمام النووي - ابن العطار - الصفحة ١٨

هجر الكرى والطيبات تورعاً ... إذا قام دَيْجوراً وصام هجيرا
مازال بر الوالدين شعاره ... مذولى الحكم المبين صغيرا
أحيا شريعة أحمد وأقامها ... فأفادنا نشرا لها ونشوراً
يُفتي فيغني كل حَبْر علمْهُ ... مع أنه يهدى الهُدي والنّورا
ما مات يحيى انه جبل هَوَى ... فأخاف ذلك بديلا وتبيرا
ما غاب عنه عالم بل عاَلمْ ... كانت له التقوى أعز نفيرا
إن المدارس وحشه لفراقه ... أضْحت دوارسَ لا تَببْن دَثُورا
وكذا المساجَدُ بالمصابيح انثنت ... تُبدْى عليه حرقة وزفيرا
يا من رأه وهو حي لو ترى ... بعد الممات العالم النحريرا
لرأيت ثم مسبوغاً ومسؤولا ... وحياء وافياً وحُبورا
ذاك الشحوب من العيادة والأسا ... في الله صارا نظرة وسرورا
تلك الزّوايا والثياب الخشن قد ... عادت عليه جَنَةً وحَريرا
آه على الأواه والأواب من ... صدْق المقال لِنفسه وهَجيرا
والطّاهر الآعراضِ والأغراض ... لا يُبْدي رياء الأنام وزورا
من كان يستسقي بيمين دعائه ... صوب الغمام فيستجيب مطيرا
ودربُه عِنْد الحوادث تَتقى ... عند الملوك بها الوَرَى المحذورا
سقيت نوَىَ الجولان من أخلاقه ... نوراً إذا ضن السَّحاب عزيزا
فالخصب حالف أرضها حتى كأن ... الجدب منها لم يكن مشهورا
وتقدست بقُدومه من قدُسه ... فيها فبورُك طاهراً وطهورا
ورثاه الشيخ الفاضل أبو محمد إسماعيل المشبطي، وتوفى رضي الله عنه بعد وفاة الشيخ بأربعة وعشرين يوماً، ودفن من يومه بدمشق رضي الله عنه:
ذرية مُحيى الدين قد عمَّ الورى ... فلست ترى إلا حزيناً مفكراً
فطالبهم للعلم يبكى لفقده ... وجاهلهم يبكى لعرف تنكرا
عزيز علينا فقده وفراقه ... ولكن هي الآجال لن تتأخرا
فيا ذوارة أورثتنا تحيرا ... كما أورثته في الجنان تبتخرا
لقد عطلت منا دروساً عزيزة ... كما عطلت أوراقه والمحابرا
كنا كعقد وهو واسطة الصبا ... فلما أجلى ذاك الصبا تناثرا
وكنا كبدر نحن هَالة أفقه ... فلما دنى منه الافول تغيرا
وعاش الذي قد عاش وهو مجاهد ... فلما آتاه الموت مات مهاجرا
وفي رابع العشرين من رجب سرا ... إلى الله يا بشراه ذكرا معطرا
ترى سيرة بعد الممات توضعا ... فيشار نوى حين نوى متسيرا
وبرا أباه إذ فداه بروحه ... فيا حبذا برا لديه موقرا
تواضع عند الموت فأن دار رفعه ... ونودي من بعد الصلاة كما جرى
قاضي قضاة المسلمين سعى له ... إلى قبره بعد الممات وكبرا
فتاويه كانت تستفيد بفعله ... وأوجب ذلك أن لا يرى متكبرا
خميص الحشا مما به من قناعة ... ولكنه ملآن درا وجوهرا
دليل يساوي المؤمنين بدينه ... عزيزا إذا ما الشرع يوماً تكدرا
تحلى قميص العلم من فضل ربه ... فما كان يخفيه بمصقولة يرا
فيا عاتبيه في رثائه طمرَه ... فعند صياح القوم تحمده السرى
لقد شرح التنبيه شرحا مهذباً ... وبينه للطالبين وفسرا
أصبح فيه قدس الله روحه ... بحسن عبارات وزاد وكبرا
وكم من مشكلات أعْجَمت فأزالها ... يحسن ثبات لا حجاج ولا مرا
ولا خاصم الأقران يوم جداله ... ولا دق كما قط يوماً على الثرى