تحفه الطالبين في ترجمه الإمام النووي - ابن العطار - الصفحة ١٣
وشاهم متحققاُ بمعارف ... محمودة الأجناس والأنواع
خَبَرُ جليلُ جل في تأبينه ... عن رثيه الأشعار والاسجاع
قد جُمعت فيه خلالا سيمة ... وثبوتها بشهادة الإجماع
نعم الموفق كان في أقواله ... وفعاله وموفق الأتباع
فقدته والآمال فيه فسيحة ... إذ كان خير ذخيرة ومتاع
بات لفقد حياته في وحشه ... وعلى الأسى محنية الأضلاع
طوبى له من واصل جنانه ... بالصالحات لليله قِطاَع
لقى المنون لقاءِ مرتاح إلى ... مولاه لا جزع ولا مرتاع
يالهف من كان السعيد بقربه ... ومنازل منه جل ورباع
لازال مثواه بصوب سحائب ... الرضوان روضاً دائم الأمراع
وقرأ الصدر الرئيس الفاضل أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن مصعب رحمه الله بدار الحديث النورية مرثاه نظمها وأنا أسمع، وكان قرأ على الشيخ قدس الله روحه قطعه من المنهاج في محضر المحرر، واستنسخ الروضة له، وقابلت له بعضها مع الشيخ، وأصلحت بأملائه رضي. الله عنه مواضع فيها، وهى:
وأكْتُم حزني والمدامع تُبدْيه ... لِفَقد امرئ كُلُّ البرية تبْكيه
رأى الناسُ منه زهدَ يحيى سَميه ... وتقواه فيما كان يُبْدى ويُخفيه
ولم يَرْضَ بالدُنيا ولا مَال لحظة ... إلى عيشتها فالله لا شك يرضيه
فليس له في زهده وخشوعه ... وتجريده في الناس مثل يُدانيه
تحلى بأوصاف النبي وصَحبه ... وتابعهم هَدْياً فمن ذا يُناويه
وشمر عن سَاق اجتهاد يُعلم ... الجهُول ويهديه السبيل ويلًقيهِ
وكان رؤوف بالضعيف وطالب ... العلوم يوفيه الجواب ويدنيه
إذا ماسدَّد الخصم حجة ... فان ضل عن قصد المحجة يُهديه
ومن جاء يسْتفتيه يدنى محله ... ويجلسه بالقرب منه ويفتيه
تصانيفه في كل علم بديعة ... وأبدع منه ما يقول ويمُليه
حديثُ رسول الله والفقه دَأبُهُ ... فصنف في هذا وهذاك يرويه
ويتلوا كتاب الله سراً وجهرة ... بفكر في تفسيره ومعانيه
يرى الموت حلوا في إمانة بدعة ... وكم سُنة أحيى بصدق مساعيه
فطوبى له ما شاقه طيف مطعم ... ولا ملبس رقت ولانت حواشيه
دائر مع فقريه وخصاصة ... على نفسه جودا بما كان يحويه
تفرق في أهل العلوم محاسن ... وقد جمعت أوصافهم كلها فيه
شكى فَقْده عِلْم الحديث وحفْظهُ ... وأهلوه والكتب الصحاح وقرايه
ولاحَ على وَجْه العلوم كآبة ... تُخبر أن الدَّين قد مات مُحيْيْه
مضى وله علم تجدد ذكره ... وينشره فالدهر هيهات يطويه
وعم بلاد المسلمين مصابه ... وخص دمشقا بالرزية ناعي
وكم نلت من خير له في حياته ... وبعد مماتي في معادي ارجيه
وما كنت أرجو أن أوخر بعده ... فاندبه بعد الممات وارشيه
فلو أنه يفدى بأهلي وجيرتي ... ومالي ونفسي كنت والله أفديه
ولكنه الموت الذي قهر الورى ... فما منهم إلا مجيب لداعيه
إذا عُدم الإسلام أشرَف أهله ... فحق لنا في ذا المصاب نُعزيه
فحيا الحيا قبراً به راح ساكنا ... ليروي ثري ذاك الضريح وواديه