تحفه الطالبين في ترجمه الإمام النووي - ابن العطار - الصفحة ١٤
ورثاه الفقيه الفاضل الإمام الصدر الرئيس الأديب نجم الدين أبو العباس أحمد بن شيخنا عماد الدين أبى عبد الله محمد بن أمين الدين سالم بن الحسن ين هبه الله بن محفوظ بن صصري التغلبي (بالتاه المثناه والغين المعجمة) البلدي في شعبان سنة ست وسبعين وستمائة، وعتبه بعض مشايخه على ذلك، فبلغني إنه أجاب عتبه بأنك إذا مت رثيتك بأحسن منها، فلما كان في سنة اثنتين وسبعمائه ولي القضاء القضاة بالشام فتفضل وحضر مجلس الحديث بدار الحديث النورية رحم الله واقفها في جمادي الأولى، فأمرت قارئ الحديث أن يقرأها عليه ليسمعها الحاضرون منه، وتبركا بذكر الشيخ قدس الله روحه، سمعتها معهم لأرويها عنه من طلب ذلك إن شاء الله تعالى، وتجوز الرواية عن الأحياء بلا كراهه عند جمهور العلماء وكرهها الشافعي رضي الله عنه خوف نسيان المروي عنه وإيهام الراوي، والله أعلم.
القصيدة هي:
أعَيْنَيَّ جو ابالدمع الهواطل ... وجودا بها كالساريات الهواطل
على الشيخ محيي الدين ذي الفَضل والتقى ... ورَب الهُدى والزُهد حاوي الفضائلِ
على قانت بَرٍّ طهور مُوفق ... على عالم بالنسك والدين عاملَ
على زهد في طاعة الله جاهد ... على عابد يبغي رضي الله فاضل
على راغب في الدين قد رفض الدنا ... فغالته منها حادثات الغوائل
وسيلي دماً فالدمع ليس بنافع ... غَليْلي ولا مُطْفٍ أوار مفاصلي
لقد كان فرداً في الزمان مُكَّملاً ... عديم نظير أو شبيه مساجل
لقد كان بحراً للفضائل طامياً ... غزير عباب ماله من سواحل
لقد كان ذا فضل ونبل وسؤود ... سما عن سماء أو عديل مماثل
لقد كان عن دين الإله مناضلاً ... فأكْرم به من دَيَنٍ ومُناضلٍ
لقد كان في الدنيا الدْنية زاهداً ... فلم يُله مَنها قط يوماً بطائل
لقد كان في الأخرى العَليةجاهداً ... فَنَوْلهُ منها ربَّ أشرف نائل
لقد كان بالمعروف للنّاس آمراً ... وناهيهم عن منكر وباطل
فكم قام بالإسلام حَقَّ قيامه ... وما عاقه عن قصده عدلُ عاذل
وكم من مقام قام فيه بنصرة ... الأنام مقام الذايلات العوامل
وكم لذوي الحاجات واجد معلناً ... بإنكاره عند الضحى والأصائل
وكم بالهدي والحَق شَافه مُنكراً ... إذا لم يكن يصغي لأقوال قائل
فإن هو عنَ رُوياه أصبح عاجزاً ... يُبلغه إنكاره في الرسائل
تنزه عن دنياه يرجو إلهه ... فعوضه عن عاجلات بآجل
وصد عن الفاني ليصبح فائزاً ... بياق من الأخرى عديم معادل
فلم يكْ من حفظ له في حياته ... وذاك على الإخلاص أقوى الدلائل
ولم يكْ فعالا سوى الخير والهدى ... وهاتيك والرحمن أفعال عاقل
بك يسعى في سوى الزهد والتقا ... وقد كان منه خير ساع وفاعل
تعزوا جميع الناس عنه فكلكم ... مصابُ به من عالمين وجاهل
وكم قام فيما نابكم من ملمة ... وشغل بما فيه من الحزن شاغل
على قاصديكم منكراً بلفظ ... وخير للمواعظ شاملِ
وكم ذب عنكم مدة وحماكم ... بقول وعزم مثل حدُ المناضل
رجاء ثواب الله لا قصد سمعة ... ولا لحباء منكم وفواضل
فأسكنه الرحمن في دار خلده ... وبلغه منها أجل المنازل