تحفه الطالبين في ترجمه الإمام النووي

تحفه الطالبين في ترجمه الإمام النووي - ابن العطار - الصفحة ٨

سلام الله ورحمته بركاته، على المولى المحسن، ملك الأمراء، بدر الدين، أدام الله الكريم له الخيرات، وتولاه بالحسنات، وبلغه من خيرات الآخرة والأولى كل آماله، وبارك له في جميع أحواله، وننهى إلى العلوم الشريفة، أن أهل الشام في هذه السنة في ضيق عيش، وضعف حال، بسبب قلة الأمطار، وغلاء الأسعار، وقلة الغلات والنبات، وهلاك المواشي وغير ذلك وأنتم تعلمون أنه تجب على الرعية والسلطان ونصيحته في مصلحته ومصلحتهم، فإن الدين النصيحة، وقد كتب خدمة الشرع الناصحون للسلطان المحبون له كتاباً تذكره النظر في أحوال رعيتيه، والرفق بهم، وليس فيه ضرر، بل نصيحة محضة، وشفقة تامة، وذكرى لأولي الألباب، والمسؤول من الأمير أيده الله تقديمه إلى السلطان، أدام الله له الخيرات، ويتكلم عليه من الإشارة بالرفق بالرعية بما يجده مدخراً له عند الله: (يَوْمَ تَجِدْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمَلْتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحّضراً، وَمَا عَمَلَتْ مِنْ سُوءِ تَوَدّ لَوْ أِنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَداً بَعِيداً ويُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) .
وهذا الكتاب الذي أرسل، به العلماء إلى الأمير أمانة ونصيحة للسلطان أعز الله أنصاره والمسلمين كلهم في الدنيا والآخرة، فيجب عليكم إيصاله للسلطان أعز الله أنصاره، وأنتم مسؤولون عن هذه الأمانة ولا عذر لكم في التأخير عنها، ولا حجة لكم في التقصير فيها عند الله تعالى، وتسألون عنها: (يَومَ لاَ يَنْفَعُ مَالُ ولا بَنُونَ إلاَّ مَن أتَى الله بقَلْبٍ سَليم) . (يَوْمَ يفرُّ المرءُ مِنْ أخِيهِ، وَأمِّهِ وَأبِيِهِ وَصاحبَتِهِ وبنيه لكُلِّ امرئ منهم يومئذٍ شَأنُ يُغْنِيهِ) . وأنتم بحمد الله تحبون الخير، وتحرصون عليه، وتسارعون إليه، وهذا من أهم الخيرات وأفضل الطاعات، وقد أهلتم له، وساقه الله إليكم، وهو فضل من الله ونحن خائفون أن يزداد الأمر شدة إن لم يحصل النظر في الرفق بهم. قال الله تعالى: (إِنَّ الذّين اتقَوْا إذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِّنَ الشيطانِ تَذكَّرُوا فَإذاَ هُمْ مبصِروُنَ) .
وقال الله تعالى: (وَمَا تَفعلوا مِنْ خَيْرِ فَإنِ اللهَ بِهِ عَلِمٌ) .
والجماعة الكاتبون منتظرون ثمرة هذا، بما إذا فعلتموه وجدتموه عند الله (إن اللهَ مَعَ الذيِنَ اتقَوا والذيِنَ هُم محسِنُونَ) والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فلما وصلت الورقات إليه أوقف عليها، رد جواباً عنيفاً مؤلماً، فتنكرت خواطر الجماعة الكاتبون وغيرهم.
فكتب رحمه الله جواباُ لذلك الجواب.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وسلم.
من عبد الله يحيى النووي، يُنهى أن خدمه الشرع كانوا كتبوا ما بلغ السلطان أعز الله أنصاره، فجاء الجواب بالإنكار والتوبيخ والتهديد، وفهمنا منه أن الجهاد ذكر في الجواب على خلاف حكم الشرع، وقد أوجب الله إيضاًح الأحكام عند الحاجة إليها فقال تعالى: (وإِذْ أخَذَ الله مِيثَاقَ الذِينَ أوتُواْ الكِتَابَ لتُبَيَّنُنَّهُ للناسِ وَلاَ تَكتمونه) .
فوجب علينا حينئذ. بيانه وحرم علينا السكوت، قال الله تعالى: (لَّيْس عَلى الضُّعَفَاء ِولا على المرضى وَلاَ عَلى الذينَ لا يَجَدُونَ ما يُنفقُونِ حَرَجٌ إذا نَصحِوا لله وَرَسوُلِهِ مَا عَلى المُحَسِنِينَ منْ سَبيلٍ واللهُ غَفُورٌ رحيمٌ) .
وذكر في الجواب أن الجهاد ليس مختصاًً بالأجناد، وهذا أمر لم ندعه ولكن الجهاد من فرض كفاية، فإذا قرِر السلطان له أجناداً مخصوصين ولهم أخبار معلومه من بيت المال، كما هو الواقع تفرغ باقي الرعيه لمصالحهم ومصالح السلطان والأجناد وغيرهم من الزراعة والصنائع وغيرها، الذي يحتاج الناس، كلهم إليها، فجهاد الأجناد مقابل بالأخباز المقررة لهم. ولا يحل أن يؤخذ من الرعية شيء مادام في بيت المال شيء من نقد أو متاع أو أو أرض، أو ضياع أو غير ذلك.