تحفه الطالبين في ترجمه الإمام النووي

تحفه الطالبين في ترجمه الإمام النووي - ابن العطار - الصفحة ١٥

ورثاه بعض فضلاء الحنفية رحمهم الله أجمعين.
مصابُ أصاب القلب والجفن أرقا ... وخَطبُ أتى بالزن والصبر فَوقا
ورز تغشى المسلم بأسْرهِم ... وسَهمُ إلى عَين الشريعة فُوْقا
لقد سدد الرامي السهام ولم يكن ... ليخطئ به سهم المنون مفوقاً
وخطب يجوب الأرض، رفاً ومغربا ... وأشَامَ في قطع البلاد وأغرقا
وعَم جميع الأرض من كل وجهة ... وإن خص من دون الأقاليم حلقا
ومَادت نواحي الأرض حزناً ... بأهلها وكادتْ قلوب الخلقِ أن تتمزقا
وضاق الفضا الرحب حتى لقد غدا ... كسُمَّ خياط أو من السم أضيقا
وقد حكمت أيدي المنون بمن كسى ... على الدين والدنيا جمالا ورونقاً
ومن كان للدين الحنيفي عصمة ... يرد العدى عنه وللعين بوبقا
وبمن كان حلياً للزمان وأهله ... وعِقد نظام العِلم والحِلم والتقا
لقد كان وكنا للشريعة مانعا ... مصاب به الإسلام طوعاً ومسقفاً
وغيثا الأهال الرشد في المحل هاطلاً ... وصوتاً على أهل الضلالة مصعقاً
ونوراً لدين الله يهدى ذوى العمى ... وبالإتمام في سماه الشرع شرقاً
وغضبا يصون الشرع منْ كل ملحد ... وباغ صقيلاً ماضي الحد مطلقاً
إذا ما انقضاه الشرع من أمر حادثٍ ... فرى هامة الخطب الجسيم وَفَرقا
فقد أضحت الأقطاب والكون ... كله لفقدك محي الدين تبدى سُابقا
واقفر ربع الزهد والجود والبها ... وربح الحجى والنسك والدين والتقا
أسفت ولورد القضاء تأسفا ... لما كان مماتى إليك توطقا
رثيتك لا أنى ظننتك ميتا ... فكيف واحياء العلوم هو البقا
وكم ميت أحييته بعد موته ... فأصبح أبداً للصواب واحذقا
وكم غامض أوضحت للناس غمضه ... وإن كان قد أعى الإمام المحققا
وكم شق الأسماع دراً ولؤلؤا ... إذا ما سمى في مجلس منه منطلقا
بلفظ يفوق الماء منه عذوبة ... بل اللؤلؤ الرطب الأنيق المنمقا
ومفتقر للعلم اغنيت فقره ... فأضحى غنياً بعدما كان مملقا
وحيران في فقر من العين يلقع ... هداه إلى سيل الرشاد وطرقا
وكم فاجر قد راضه بتلطف ... فعوض عن ذاك الفجور به تقا
أبا زكريا أليس للمرء ملجأ ... يَرُد الرَدَى عنه جر فيلقا
فكل وإن طالت جريدة عمره ... سيصبح في درج المنون محققا
أيحيى لو أن الموت يثنيه عن فتىً ... ثِبات جَنان لا نثنى عنك أخْرقا
ومَا مُدَّ صَرْف الدْهر نحوك باعَه ... ولاصم جَنْبيكَ الصفيحُ مُطبقا
فكم موطناً قدمت فيه مجاهداً ... وطرف الردى فيه إليه محدقا
لئن كان قد وارى الثرى حسن خلقه ... فغير مطيق أن يواري التخلقا
وكيف يُواِرى الترب عَلماً غدا ... به على سَعَةِ صدر البسيطة ضيّقا
فَطوبى لِقبْر ضمّه فَلقدْ غدا ... يُباهى في دار المقامة والبَقا
سقى قبره صوباً غماما ورحمة ... إذا قيل أن قد أقلعا عنه أغدفا
ورثاه الصاحب الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن عمر بن أحمد بن عمر المنيحى، نفع الله به، أحد فقهاء مدرسة الناصرية بدمشق المحروسة والساكن بها أديب مُغلق.
سًبُل العلوم تقطعت أسبابها ... وتعطلت من حليها طلابَها
لمصيبة عزَّ العزاء لها كماً ... في الناس قدجلت وَجل مُصابها
أيها الحَبْر الذي من بعده ... كل الفضائل غلقت أبوابُها