شرح حديث « نية المؤمن خير من عمله »

شرح حديث « نية المؤمن خير من عمله » - الكربلائي، الشيخ علي بن الحسين - الصفحة ٣٣٢

وقد قيل فيه وجوه : الأول : أن المراد بنية المؤمن اعتقاده الحق . ولا ريب أنه خير من أعماله ؛ إذ ثمرته الخلود في الجنة ، وعدمه يوجب الخلود في النار ، بخلاف العمل ، وبهذا يزول الإشكال في ما يروى من [١] تتمة هذا الحديث من قوله صلى الله عليه و آله : ونية الكافر شرّ من عمله . الثاني : أن المراد أن النية بدون العمل خير من العمل بدون النية . وردّ بأن العمل بدون نية لا خير فيه أصلاً ، وحقيقة التفضيل تقتضي المشاركة ولو في الجملة . الثالث : أن المؤمن ينوي خيرات كثيرة لا يساعده الزمان على عملها ، فكان الثواب المترتب [٢] على نياته أكثر من الثواب المترتب على أعماله . وهذا الكلام ينسب إلى ابن دريد اللغوي [٣] . الرابع : أن طبيعة النية خير من طبيعة العمل ؛ لأنه لا يترتب عليها عقاب أصلاً ، بل إن كانت خيرا اُثيب عليها ، وإن كانت شرا كان وجودها كعدمها ، بخلاف العمل ؛ فإن من «يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره » [٤] ، فصح أن النية بهذا الاعتبار خير من العمل . الخامس : أن النية من أعمال القلب ، وهو أفضل من الجوارح ، فعمله أفضل من عملها . ألا ترى إلى قوله تعالى : «أقم الصلاة لذكري » [٥] جعل سبحانه الصلاة وسيلةً إلى الذكر ، والمقصود أشرف من الوسيلة ، وأيضا فأعمال القلب مستورة عن الخلق لا يتطرق إليها الرياء ونحوه ، بخلاف أعمال الجوارح . السادس : أن المراد أن نية بعض الأعمال الشاقة كالحج والجهاد خير من بعض الأعمال الخفيفة ، كتلاوة آية والصدقة بدرهم مثلاً . السابع : أن لفظة «خير» ليست اسم تفضيل ، بل المراد أن نية المؤمن خير من جملة أعماله ، و«مِن» تبعيضية ، ونُقل هذا عن السيّد المرتضى ـ رضوان اللّه عليه ـ [٦] ، وبه يندفع التنافي بين هذا الحديث وبين ما روي عنه صلى الله عليه و آله : أفضل الأعمال أحمزها . ويزول الإشكال المشهور في قوله عليه السلام : نية الكافر شر من عمله . فإن لفظة «شر» حينئذٍ كلفظة «خير» في عدم إرادة


[١] في المطبوع من الأربعين : «في» .[٢] لفظة المترتب ليست في مخطوطة الأربعين .[٣] في نسختي الأربعين بعد اللغوي رمز «ره» أي : رحمة اللّه عليه .[٤] سورة الزلزلة ، الآية ٧ ـ ٨ .[٥] سورة طه ، الآية ١٤ .[٦] في نسختي الأربعين : «رضي اللّه عنه» .