شرح حديث « نية المؤمن خير من عمله » - الكربلائي، الشيخ علي بن الحسين - الصفحة ٣٤٣
ولهذا قال بعض العارفين : إذا قيل لك : تخاف اللّه ؟ فاسكت وأمسك عن الجواب ؛لأنك إن قلت : «لا» ، كفرت ، وإن قلت : «نعم» ، كذبت . انتهى . فعلم ممّا ذكرنا ونقلنا من هذه المقدمات أنه لا يحصل خلوص النية الموجب لخلوص العمل وإصابته إلاّ بعد رياضة النفس وإتعابها ، وشدة حرصها وآدابها في تحصيل العلوم الدينية والمعارف اليقينية ، وتخلّيها عن جميع الرذائل وتحلّيها بأنواع الفضائل ، ولذا قال أميرالمؤمنين وسيّد العارفين ـ صلوات اللّه عليه وعلى أولاده الطاهرين ـ : تصفية العمل أشد من العمل ، وتخليص النية من الفساد أشد على العاملين من طول الجهاد . وقال الصادق عليه السلام : صاحب النية الصادقة صاحب القلب السليم ؛ لأن سلامة القلب من هواجس المحذورات تخلّص النية للّه في الاُمور كلها» ، ثم تلا قوله تعالى «يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى اللّه بقلب سليم » [١] . وقال عليه السلام : القلب السليم الذي يلقى اللّه وليس فيه أحد سواه [٢] . ومن هنا يظهر أن النية الصادقة لا تحصل إلاّ بعد تحمّل مشقات عظيمة وارتكاب رياضات جسيمة ، لا يكاد يوجد في أحمز الأعمال من العناء والتعب ما يساوي العشر العشير ممّا يحتاج إليه تحصيل مقدمة من مقدماتها من أنواع المشقة وأقسام النصب ، ويظهر صدق ما قاله الفاضل الأردبيلي في شرحه لـ الإرشاد من غير مبالغة ولا إغراق : إن إخلاص النية في غاية الصعوبة وقليل الوجود ، وتحصيله كتحصيل اللبن الخالص وتخليصه من بين فرث ودم . ويظهر أنها أحمز الأعمال ، وتندفع المعارضة بحديث الأحمزية بلا قيل ولا قال والحديث الذي نقلناه عن أبيهاشم ، عن أبي عبداللّه عليه السلاممن أن علّة تخليد أهل النار في النار وأهل الجنة في الجنة يدفع المعارضة بما روي من أن النية المجردة لا عقاب فيها
[١] سورة الشعراء ، الآية ٨٩ .[٢] بحار الأنوار ، ج٦٧ ، ص٥٤ .