الأسرار الفاطميّة - الشيخ محمد فاضل المسعودي - الصفحة ٢٧٣ - الوقفة الثانية سند هذا الحديث
في فاطمة من خلال تطلعه إلى آفاق المستقبل الذي سيكون لولد فاطمة فكان يُكرمها ويحترمها ويقول لها مرحباً بأُم أبيها.
* ولعل وجه تكنيتها بأُمّ أبيها هو أنه صلىاللهعليهوآلهوسلم يعاملها عليهاالسلام معاملة الولد أُمه. وانها تعامله معاملة الأُم ولدها كما ان التاريخ يؤيد ذلك والأخبار تعضده ، ففي الأخبار الكثيرة أنه صلىاللهعليهوآلهوسلم يقبل يدها ويخصها بالزيارة عند كل عودة منه إلى المدينة المشرفة ويودعها منطلقاً عنها في كل أسفاره ورحلاته ، وكأنه يتزود من هذا النبع الصافي عاطفة لسفره كما يتزود الولد المؤدب من أُمه ، ونلاحظ من جهةٍ أخرى ان فاطمة الزهراء عليهاالسلام تحتضنه وتضمد جروحه وتخفف من آلامه كالأم المشفقة لولدها ، وبالجملة كل ما يجده الولد في أُمه من العطف والرقة والشفقة والأنس فهو صلىاللهعليهوآلهوسلم يجده في فاطمة وكأنها أُمه [١].
* ونقل المولى الأنصاري (ره) : إنَّ النكتة في هذه التكنية إنما هي محض إظهار المحبة ، فإن الإنسان إذا أحبّ ولده أو غيره وأراد أن يظهر في حقّه غاية المحبَّة قال : « يا أمّاه » في خطاب المؤنّث ، ويا « أباه » في خطاب المذكَّر ، تنزيلاً لهما بمنزلة الأُمّ والأب في المحبّة والحرمة على ما هو معروف في العرف والعادة [٢].
أو أنَّ الله عزّ وجلّ لمّا شرّف وكرّم أزواج النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بتكنيتهنّ بأُمَّهات المؤمنين صرن في معرض أن يخطر ببالهنَّ أنَّهن أفضل النساء حتى من بضعة المصطفى فاطمة الزهراء عليهاالسلام ، ولأجل ذلك كنّاها أبوها بأُمّ أبيها صوناً لهذه الخواطر والوساوس ، يعني يا نساء النبي إن كنتنّ أمّهات المؤمنين ، ففاطمة عليهاالسلام أُمُّ النبيّ ، أُمّ المصطفى ، أُمُّ الرسول ، أُمُّ أبيها.
ويمكن أن يراد بهذه التكينة معنىً أدق وأعمق من الأول والثاني وإن كان الأول هو الأظهر ، وهو : أنَّ أُمّ كلِّ شيء أصله ومجتمعه كما صرَّح به أهل اللغة كأُم القوم وأُمّ الكتاب وأُم النجوم وأُم الطرق وأُم القرى وهي مكّة شرّفها الله تعالى ، وأُم الرأس وأُم الدماغ و ... فعليه يمكن أن يقال : إنّه صلىاللهعليهوآلهوسلم أراد منها أنَّ ابنتي فاطمة هي أصل شجرة
[١] فاطمة بهجة قلب المصطفى : ٢٠٤.
[٢] اللمعة البيضاء : ٥٠.