مشكاة المصابيح

مشكاة المصابيح - المياموي البسطامي، محمد - الصفحة ٢٩

يدخل من البيت الأوّل إلى البيت الثاني بل إلى الثالث وهكذا بالغاً ما بلغ، نور ظاهر بالذات مظهر للغير، وإن كان بنحو الضعف في الصفتين.

كذلك الوجودات المادية المعدودة عند الإشراقيين من الغواسق[١] والظلمات، كلّها أنوار لكونها ظاهرة بذواتها بما هي وجودات مظهرة لمهياتها، بل نفس المادة التي هي أظلم الظلمات وأوحش الموحشات المعبر عنها عند الأقدمين بالظلمة والهادية، نور، وكيف لا وهي أحد من أنواع الخمسة الجوهرية، والجوهر من أقسام الموجود، والوجود نور.

إن قلت: كيف تكون جوهراً وقد تقرر عندهم أنّها نوع بسيط واستعداد محض والاستعداد عرض.

قلت: كما أنّ العلم له مراتب: مرتبة منه كيف نفساني، ومرتبة منه جوهر مفارق برزخي كعلم النفس بذاتها، ومرتبة منه جوهر مفارق محض كعلم العقل بذاته، ومرتبة منه واجب الوجود، كعلم الواجب تعالى بذاته وبغيره، فانظر إلى حقيقة واحدة وسعة مراتبها وقصيا منازلها في جانبي العلو والدنو; كذلك الاستعداد والقوة، فمرتبة منه عرض كالكيفيات الاستعدادية، ومرتبة منه استعداد بسيط متجوهر وقوة محضة جوهرية.


[١] غواسق: يقال غسق يغسق غسوقاً فهو غاسق إذا أظلم وأغسق مثله. نهاية ابن الأثير، ج٣، ص ٣٦٦.