الحياة البرزخية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧٨ - الشبهة الثانية
كل ذلك يعرب عن أنّ للآية مفاداً آخر وهو غير ما يرومه المستدل ، وإليك تفسير الآية بالإمعان فيها ، وذلك بوجوه :
الوجه الأوّل :
إنّ سياق الآيات المحيطة بهذه الآية سياق ذمّ وتنديد ، وسياق إنذار وتهديد ، فإنّ الله سبحانه يبدأ كلامه العزيز بقوله : ( أفرأيت الذي تَولّى * وأعْطى قَليلا وأكدى * أعِندَهُ عِلمُ الغَيبِ فَهوَ يَرى * أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى * وإبراهيمَ الَّذِي وَفّى* ألاّ تَزِرُ وازِرةٌ وِزرَأُخرى* وأنْ لَيسَ للإنسانِ إلاّ ماسَعى * وأنَّ سَعيَهُ سَوفَ يُرى * ثُمَّ يُجْزاهُ الجزاءَ الأوْفى * وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنتهى )[١].
فإنّك ترى أنّ الآيات الحاضرة مثل سبيكة واحدة صيغت لغرض الإنذار والتهديد ، خصوصاً قوله : ( وأنْ ليسَ للإنسان إلاّ ماسَعى )فإنّ هذه الآية وقعت بين آيتين
صريحتين في التهديد المتقدمة قوله : ( ألاّ تَزرُ وازرةٌ وِزرَ أُخرى ) والمتأخّرة قوله : ( وأَنّ سعيهُ سوفَ يُرى )ثم قوله : ( وأنّ إلى ربِّكَ المُنتهى ) .
فإنّ كلّ ذلك يعطي أنّ موضوع هذه الآية والآيات السابقة واللاحقة هو العقاب لا الثواب ، والسيئة لا الحسنة ، فالآية تصرّح بأنّ كل إنسان يحمل وزر نفسه ويعاقب بالعمل السيّئ الذي سعى فيه ، وأمّا العمل السيّئ الذي اقترفه الغير ولم يكن للإنسان سعي فيه فلا يؤخذ به ولا يعاقب عليه .
وعلى ذلك فاللام في قوله : «للإنسان» ليس للانتفاع بل اللام لبيان الاستحقاق ، وهو أحد معانيها[٢] مثل قوله : ( وَيلٌ لِلمُطفّفينَ )[٣]وقوله : ( لَهُمْ في
[١] النجم : ٣٣ ـ ٤٢ .
[٢] قال ابن هشام في مغني اللبيب ١ : ٢٠٨ وللاّم الجارة اثنان وعشرون معنى ، أحدها : الاستحقاق ، وهي الواقعة بين معنى وذات . . مثل: ( لهم في الدنيا خزي ) . [٣] المطففين : ١ .