الحياة البرزخية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠ - الآية الثانية
فالآية لم تخاطب جسد الإنسان وأعضاءه كما ترى ، بل واقعه وحقيقته التي يعبِّر عنها الذكر الحكيم بالنفس ، واختار من بين النفوس الكثيرة النفس المطمئنة وهي التي تسكن إلى ربِّها ، وترضى بما رضي به لها ، فترى نفسها عبداً لا يملك لنفسه شيئاً من خير أو شرّ ، أو نفع أو ضرّ .
ويرى الدنيا دار مجاز وما يستقبله فيها من غنى أو فقر ، أو أيّ نفع وضّر ابتلاءً وامتحاناً إلهياً; فلا يدعوه تواترُ النعم عليه إلى الطغيان وإكثار الفساد ، والعلوّ والاستكبار ، ولا يوقعه الفقر والفقدان في الكفر وترك الشكر .
ثم يخاطبها بخطاب آخر ويقول : ( ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ) ، وظرف الخطابين من حين نزول الموت إلى دخول جنة الخلد ، ثمّ يخاطبها بخطاب ثالث ورابع ويقول : ( فَادْخُلِي فِي عِبَادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي )وهما تفريعان على الخطاب الثاني الماضي أعني: ( ارجعي إلى ربِّك . . . )وقوله: ( في عبادي ) يدلّ على أنّها حائزة مقام العبودية وفي قوله: ( جنّتي ) تعيين لمستقرّها وفي إضافة الجنة إلى ضمير التكلّم ، تعريف خاص ، ولا يوجد في كلامه تعالى إضافة الجنّة إلى نفسه تعالى وتقدّس إلاّ في هذه الآية[١] .
والمخاطب في هذه الخطابات الأربعة ، ليس جسده البارد الذي صار بالموت بمنزلة الجماد ، ولا عظامه الرميمة الدفينة في طبقات الثرى ، بل نفسه وروحه الباقية غير الداثرة .
ولو خُصَّ ظرف الخطاب بيوم البعث من لدن إحيائها إلى استقرارها في الجنة ، لما ضرّ بالاستدلال وإن كان على الوجه الأوّل أظهر .
والحاصل : فسواء قلنا بأنّ ظرف الخطاب هو زمان الموت أو زمان البعث ،
[١] تفسير الميزان ٢٠ : ٢١٣ ; مجمع البيان ٥ : ٤٨٩ .