الحياة البرزخية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨ - الآية الأُولى
مرة أُخرى من جديد؟
فردّ القرآن الكريم هذا الاستبعاد والاعتراض بجملتين هما :
١ ـ ( بَلْ هُمْ بِلِقاء رَبِّهمْ كافِرون )[١] .
٢ ـ ( قُلْ يَتوفّاكُمْ مَلَكُ المَوتِ )[٢] .
فلا شك أنّ الجملة الأُولى ليست هي الجواب على اعتراضهم حول إمكانية إعادة المعدوم من أجزاء الجسد ، بل هي توبيخ لهم على إنكارهم لقاء الله وكفرهم بذلك ، وإنّما ترى الجواب الواقعي على ذلك في الجملة الثانية ، وحاصله هو : أنّ ما يضلّ من الآدمي بسبب الموت إنّما هو الجسد وهذا ليس حقيقةُ شخصيته ، فجوهر شخصيته باق ، وإنّ الذي يأخذه ملك الموت وينتزعه من الجسد ليس إلاّ الجانب الأصيل الذي به تناط شخصيته وهو محفوظ عندنا .
إذن فالضال في التراب من الإنسان ـ بسبب الموت ـ هو القشر والبدن ، وأمّا حقيقته وهي الروح الإنسانية التي بها قوام شخصيته ، فلا يطالها الفناء ولا ينالها الدثور .
التوفّي في الآية ليس بمعنى الإماتة ، بل بمعنى الأخذ والقبض والاستيفاء ، نظير قوله سبحانه : ( اللهُ يَتوفّى الأنفُسَ حِينَ مَوتِها )[٣] وقوله تعالى : (وهوَ الّذي يتوفّاكُمْ بِالليلِ ويَعلَمُ ما جَرحْتُمْ بِالنَّهارِ )[٤] ومن قولهم «وافاه الأجل» وبعبارة أُخرى : لو ضلّ بالموت كلّ شيء من وجودكم لكان لاستبعادكم إمكان إعادة الإنسان وجه مقبول .
[١] السجدة : ١٠ .
[٢] السجدة : ١١ .
[٣] الزمر : ٤٢ .
[٤] الأنعام : ٦٠ .