مواهب الرحمن في تفسير القرآن - الموسوي السبزواري، السيد عبد الأعلى - الصفحة ٢٥٩
وهذه الآية المباركة من الآيات الشريفة الّتي تدلّ على عصمة نبيّنا الأعظم ٦ ، الّتي هي قوّة شعوريّة علميّة إراديّة غير مغلوبة لسبب من أسباب الضلال والفساد.
وهي تدلّ على أنّ العصمة لا تخرج المعصوم عن كونه فردا من أفراد الإنسان ، بل هي موهبة الهية عظيمة وفضل كبير عليهم ، تعزف أنفسهم بها عن ارتكاب المعاصي والآثام ، كما تعزف نفوس سائر الناس وتأنف عن أكلّ ما تشمئز منه النفوس.
وهذه العصمة تثبت على جميع جوارح المعصوم وجوانحه وتظهر أثرها في الأقوال والأفعال ، فيكون في أمن من اتّباع الهوى والميل إلى الباطل ، وأساس هذه العصمة ـ كما يستفاد من هذه الآية الكريمة ـ هو العلم الّذي يمنع صاحبه عن التلبّس بالخطإ وكلّ ضلال ، كما قال عزوجل : (وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) ، وهذا النوع من العلم يختلف عن إنزال الكتاب والوحي بواسطة الملك ، بل هو إلهام خاص وإلقاء في القلب ، وهذا هو علم النبيّ ٦ المعروف الّذي يختلف عن سائر علوم الناس ، فإنّها لا تحصل إلّا بالأسباب العاديّة المعروفة في طرق اكتساب العلوم.
كما يختلف عنها في أنّه لا يتأثّر بسائر القوى الشعوريّة الاخرى ، من الوهم والخيال والضلال ، بل هو غالب عليها ، وأنّه يصون صاحبه من الضلال والخطيئة. وقد يعبّر عن هذا العلم بالعلم اللدنّي أو الملك الّذي يحفظ الإمام ٧. وقد ورد في بعض الروايات أنّ للنبي ٦ والإمام ٧ روحا تسمّى بروح القدس تسدده وتعصمه من المعصية ، ويشير إليها قوله تعالى : (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا) [سورة الشورى ، الآية : ٥٢] ، وتقدّم في الجزء الأوّل بحث العصمة فراجع.