مواهب الرحمن في تفسير القرآن - الموسوي السبزواري، السيد عبد الأعلى - الصفحة ٤٨
ويمكن أن يراد منها بروج النجوم ، فيكون استعمال لفظ (المشيّدة) فيها على سبيل الاستعارة ، فتكون الآية للمبالغة ، وقد أشار إلى ذلك الشاعر :
|
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه |
|
ولو نال أسباب السماء بسلّم |
ولكن سياق الآية المباركة يأبى ذلك.
ومعنى الآية الكريمة : أنّ الموت أمر لا مفرّ منه ، يأتيكم ولو كنتم متحصّنين في القصور المشيّدة والملاجي المحكمة المتينة ، فلا تعرضوا عن القتال في سبيل الله تعالى ، ولا تتوهّموا أنّكم إن لم تشتركوا فيه ولم تشهدوه تكونوا في مأمن من الموت ، فإنّ أجل الله آت ولا سبيل للهرب منه ، فيلحقكم الموت ويحلّ بكم.
قوله تعالى : (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ).
بيان لحال طائفة أخرى أهمّتهم أنفسهم ، لا يرضون بحكم الله فيهم ، والّتي حكي عنها عزوجل في آية أخرى ، فقال تعالى : (وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ) [سورة آل عمران ، الآية : ١٥٤]. وفي المقام يحكي عزوجل عنهم بعض نواياهم الفاسدة ، وأمر نبيّه ٦ أن يجيبهم ويرشدهم إلى الحقيقة والواقع. وإنّما أمر رسوله الكريم بالجواب ؛ لأنّه واسطة الفيض ، ولأنّهم كانوا يعتقدون أنّ السيئة الّتي تصيبهم إنّما هي من ناحية وجود الرسول ٦ فيهم.
وهذه الآية المباركة وإن كانت مع الآية الشريفة السابقة في سياق واحد تدلان على كراهيّة الطائفتين للقتال ، إلّا أنّ الطائفة الأولى كرهت القتال وطلبت التأجيل ، وهذه الطائفة تزعم أنّ السيئة الّتي تصيبهم إنّما لأجل وجود الرسول ٦ أو من ناحية أوامره وأحكامه. وذكر جمع من المفسّرين أنّ الآية الكريمة تدلّ على أنّ هذه الطائفة هي الأولى ، ولكن يمكن أن يستفاد من القرائن التعدّد كما عرفت.