بحوث في الأصول - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٤٦ - تكملة

مستندة إليه تعالى، فكذلك سلسلة الأسباب، و الإيجاب بالاختيار، كالامتناع بالاختيار، لا ينافي الاختيار، فلا يستحيل تعلّق التكليف بالممتنع بالاختيار، كما لا يستحيل تعلّقه بالواجب بالاختيار، فالإشكال غير منحصر في تكليف الكافر بالإيمان، بل يجري في تكليف المؤمن بالإيمان أيضا.

نعم، يبقى الكلام في أنّ إرادة ما يقطع بعدم وجوده كيف يتمشّى من الملتفت إلى أنّه لا يوجد بسببه، و سيأتي إن شاء اللّه تعالى الجواب عنه، هذا كلّه في دفع المحذور الأوّل.

و أمّا المحذور الثاني، فيندفع بما أفاده شيخنا الأستاذ العلّامة [١] أدام اللّه أيّامه، من الفرق بين الإرادتين، بحيث لا تضادّ بينهما، إذ الإرادة المتعلّقة بالكفر من الكافر، إرادة تكوينية، و حقيقتها العلم بما هو صلاح، بحسب النظام الكلّي، و هذا هو الّذي لا يكاد يتخلف عن المراد، حيث إنّ المحل قابل، يسأل بلسان استعداده الدخول في دار الوجود، و المبدأ تام الإفاضة، لا بخل في ساحته المقدّسة، و الوجود بما هو، خير محض، و محض الخير، فلذا لا يعقل التخلّف. و أمّا إرادة الإيمان من الكافر، فهي إرادة تشريعية، و حقيقتها العلم بالصلاح في فعل المكلّف، و حيث يقتضي العناية الربانية سوق الأشياء إلى كمالاتها، و إعلام المكلّفين بصلاحهم و فسادهم، فلذا يجب عليه تعالى تحريكهم إلى ما فيه الصلاح، و زجرهم عمّا فيه الفساد، فهذه الإرادة، علّة البعث، دون التكوين، ليلزم استحالة التخلّف، أو اجتماع الضدين، أو المتناقضين‌ [٢].

قلت: قد أسفلنا لك في أول المسألة، أنّ حقيقة إرادته تعالى في مرتبة ذاته‌


[١] المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) في فوائده.

[٢] المحكي مضمون كلامه (قدّس سرّه) في الفائدة الثانية، من فوائده.