بحوث في الأصول - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٩ - تكملة
بين الإرادة الإنشائيّة و الحقيقية، فالفرق بينهما أوضح من ما جعله فارقاً، فانّ الوجود الحقيقي للشيء المعدود من الكيفيات النفسانيّة، و الوجود الجعلي التنزيلي الّذي حاقّ حقيقته وجود المعنى بوجوده التنزيلي، و هو اللفظ، بمكان من المباينة، و لا حاجة إلى هذا التدقيق.
و إن أُريد منه أنّ حقيقة الإرادة النفسيّة، يمكن أن توجد على وجهين، ففيه أنّ الإرادة التشريعية دائماً، تحتاج إلى ثلاثة أطراف: المريد، و المراد، و المراد منه، و مرادية الفعل و المرادية من المكلّف حقيقة، لا يتفارقان أصلًا، إذ لا يعقل تعلّق الإرادة المحضة بالمكلّف، من دون مرادية وقوع الفعل، لتقوّمها في الوجود بهما معاً، فلا تغفل.
فان قلت: لِمَ تلتزم في جواب الأشاعرة، بعدم الإرادة في مورد الامتحان، و لا تلتزم بوجودها، نظراً إلى أنّ الفعل و إن لم يكن مراداً بالذات، لكن حيث دعا الآمر اختبار العبد بهذا الفعل، يصير مراداً بالعرض، فلا طريق للأشاعرة إلى المغايرة.
قلت: الفعل ما لم يطرأ عليه عنوان محسّن، لا ينقلب عمّا هو عليه، و بمجرد وجود الداعي للمولى إلى الامتحان و الاختبار، لا ينقلب عمّا هو عليه، إذ ما يتوهّم من العنوان الطارئ، هو كون الفعل ممّا يختبر به، و يمتحن به، مع أنك خبير بأنّ الامتحان و الاختبار، كالتعجيز و التسخير، من أفعال الآمر، فالمولى بأمره يمتحن العبد، و يختبره، أو يعجزه، و يسخّره، فالأمر هو ما يمتحن به، أو يختبر به، لا المأمور به، و لذا يصل المولى إلى غرضه، و إن لم يأت العبد بالمأمور به، كما لا يخفى.
و لا يذهب عليك أنّ حقيقة الإرادة، لو لا الدّاعي، و هي الغاية المترتبة على المراد، لا يكاد يتحقق، فليس حالها، حال الأمر و البعث، حتى يتحقق بالمصلحة في نفسه، فلا تغفل.