تأسيس الغرب الإسلامي - هشام جعيط - الصفحة ٩٦ - II ـ تنظيم المغرب في القرن الثاني هجري المؤسسات الإسلامية ـ
مجموعة ولايات دار الإسلام باعتبارها جزءا منها ووحدة تشبه الوحدات الأخرى بل وحدة مهمة نسبيا. وانطلاقا من هذا ، فهي خاضعة بالضرورة إلى نفس الآليات الجبائية. لقد كانت إفريقية قطعا أرضا خاضعة للخراج [١] مثلما تشهد على ذلك أيضا مصادر مختلفة كمدوّنة سحنون [٢] وفتوح مصر لابن عبد الحكم. هذه المصادر لا تقيم الدليل القاطع إذا ما أخذت منعزلة ، أمّا إذا أدمجناها في نسق عام وفهمناها حقّ فهمها فإنها توصلنا إلى هذه القناعة.
هل يمكن الاعتماد على مصادر فقهية متأخّرة لتدقيق وضع إفريقية الجبائي ، من مثل الدّاودي وابن أبي زيد القيرواني وملخّصه المتأخّر المغربي الفاسي [٣]؟ فهي تتحدّث عن أرض العنوة وأرض الصّلح أو أنّ أرض إفريقية كلّها أرض عنوة وهي الفكرة الغالبة ، ويعني هذا أرض خراج وجزية. في هذه النّصوص يوجد دون شكّ جانب نظري وهي بعد ذلك متأخّرة زمنيا ، لكنّ الجانب التاريخي الموروث عن القدامى والمسلّط على واقع كان موجودا لا يمكن الطعن فيه. والكتب الفقهية أقرب إلى الماضي ممّا هي إلى حاضرها بالذّات ، لأنّ الماضي يمثّل
[١] لفظة" خراج" قد تعني الضريبة بالمعنى العامّ أو ضريبة الأرض خاصّة. كذلك ، " الجزية" قد تعني نفس الشيء أو بصفة خاصّة الضريبة على الرؤوس : دانات ، مرجع مذكور ، ص ص ١٢ ـ ١٣.
[٢] المدوّنة ، ج ١١ ، ص ص ١٧٥ و ٢٠٠. سحنون يطرح أسئلة على ابن القاسم بخصوص" الخراج" دون الإشارة إلى وضع إفريقية وبصفة عامّة. إنّ أسئلة المدوّنة تتبع في بعض الأحيان عن كثب إشكاليات" أسدية" ابن الفرات ، لكنّ سحنونا لا بدّ أنه اعتمد على تجربته الذاتية. ووسط مساءلات خيالية أو نظرية ، نستشفّ أيضا مشاكل قد تطرأ في الواقع. فمثلا تحصل إجارات أراض خراجية أو أراضي" صلح". وابن القاسم يعطي حلوله مستشهدا بما يجري في مصر ، ص ١٧٥. ويمكن للمؤرّخ أن يرجع إلى المدوّنة شرط أن يحسن تأويل هذا الحوار بين الفقيهين في اتّجاه ما هو حسّي وواقعي من وراء الإمكانات الخيالية المطروحة.
[٣] الأجوبة الفاسية تسترجع إشكاليات كانت قائمة زمن ابن أبي زيد ولعلّ هذا الأخير يرجع هو أيضا إلى سوابق قديمة. فتقول إنّ الجبال أراضي" صلح" والسهول أراضي" عنوة" أي خاضعة للخراج.