تأسيس الغرب الإسلامي - هشام جعيط - الصفحة ١٥٦ - III ـ الحياة الاقتصادية والاجتماعية في إفريقية العربية القرن الثاني هجري
الأصل البربري أساسا الذين وقعت رومنتهم وتمسيحهم. وكانوا في الجملة شهودا أحياء على الهيمنة الرومانية القديمة التي جسّدوا بصماتها على البلاد ، فهم الذين تمّ اقتلاعهم ومنذ زمن طويل من جذورهم القبلية ليدمجوا في الحضارة الرومانية بشكليها الحضري والريفي. فهل يعود إلى ثقل هذا الماضي كونهم عناصر نظام ، ظلوا أوفياء لمعتقداتهم المسيحية بقدر وفائهم للغة اللاتينية؟ سوف يشير الجغرافيون العرب إلى وجودهم في الجنوب ، بين منطقة طرابلس وقابس وفي الجريد ، وهو أمر لا نشكّ فيه ، لأنهم لا بدّ أن يكونوا قد استقروا فيها أيضا في ذلك الوقت ، مثلما فعلوا ذلك في تونس ، وفي السهول الشمالية ، وفي بلاد الزاب.
أمّا العنصر الثالث الذي يدخل في تكوّن القطاع الاجتماعي غير العربي فيمثله البربر بتحديد المعنى وهم الأكثر عددا. سواء كانوا مترومنين ومحتكّين بالمسيحية بشكل ما ـ وهي حالة بعض الفصائل من البرانس المستقرين ـ أو يعيشون مستقلين ، فقد حافظ العنصر البربري على تركيبته القبلية ، بل وازداد تمسّكا بها مع الإسلام.
لقد كان يقود القبيلة في أغلب الأحيان قائد ينتمي إلى عائلة شريفة وثرية ، فكانت الكاهنة تستجيب لكل شروط الملكة الحقيقية ، وكان" سمغو" على حد تعبير ابن خلدون «يملك قطعانا عديدة» [١]. وكانت شعوب البربر ، وإثنياته Ethnies ، وقبائله تكوّن شبكة معقدة ومتحرّكة ، زادها زمن الفتح الإسلامي وما بعده ، عدم استقرار ، فانتقلت بعض القبائل إلى المغربين الأوسط والأقصى. وتفتّتت أخرى فاندمجت بقاياها في تجمّعات قبلية أكثر استقرارا مساهمة بذلك حتى في تغييرها.
اعتبر المحدثون تقسيم البربر إلى بتر وبرانس [٢] دليلا على اختلاف
[١] Histoire des Berberes, traduction de Slane, I, p. ١٦٢
[٢] Histoire des Berberes ,op.cit.,p.٦٢٢ ؛ الجمهرة ، ص ٤٩٥. لقد كانت أهم قبائل البتر ، نفوسة ونفزاوة ولواتة. أمّا قبائل البرانس فقد كانت هوّارة ، وكتامة ، وصنهاجة ، ومصمودة وأوربة.