تأسيس الغرب الإسلامي - هشام جعيط - الصفحة ١٦٠ - III ـ الحياة الاقتصادية والاجتماعية في إفريقية العربية القرن الثاني هجري
الحضارة المادية
طبعت فترة القرنين الأولين للإسلام ، هنا مثلما هو شأنها في المشرق بالترسيخ التدريجي لحضارة إسلامية ذات صبغة جديدة قائمة على التوازن المتناغم بين الجديد والمتواصل.
لا بد من أن يعرف المشهد الجغرافي والبشري عديد التحولات ، فالمدينة العربية ليست مدينة العهد القديم ، ونفس الشيء بالنسبة إلى الزي الشرقي الذي اختلف كليا عن الزي القديم. ويمكن أن تساعدنا الدراسة التاريخية لأصل الأسماء (طوبونيمي Toponymie) على الفهم السريع لتعريب أسماء المدن والمناطق [١]. وبهذا أصبحت طرابلس Tripoli أطرابلس ، وقرطاج قرطاجنة ، وتحوّلت سفيطلة إلى سبيطلة وكمونيا إلى قمّونية ، وقرطاج قرطاجنة ، وتحوّلت سفيطلة إلى سبيطلة وكمونيا إلى قمّونية ، ولبتيس Leptis إلى لمطة ، وفاكا إلى باجة وكابصاCapsa إلى قفصة. باختصار ، اتبع التغليف العربي ـ في أغلب الأحيان ـ وعن كثب شكل الأسماء القديمة ، أما الانقطاعات الأكثر عمقا ، فقد حدثت في مستوى المناطق ، إذ اختفى اسم البروقنصلية ونوميديا تماما ، في حين عوّضت البيزاسان Byzacene بالتسمية العربية مزاق [٢] ، وتعني سهول القيروان فقط. بينما جاء لفظ الزاب ليعوض تقريبا اسم نوميديا. فمحاور المناطق لم تعد هي نفسها : فالبيزاسان ، مثلا ، لم تعد منحدرا ، بل أصبحت مقرّ العاصمة ومركز إشعاع للسلطة الإسلامية. وفقدت بالتالي وحدتها ، فانقسمت إلى مناطق صغيرة حيّة مثل الساحل [٣] ، وبلاد قمّودة وقسطيلية (الجريد). وسقطت بعض المدن القديمة ، أو وقع إجلاؤها ببساطة مثل سبيطلةSuffetula ، وتبسّةTheveste ، وقرطاج ، وحافظت أخرى على نفس
[١] H. H. Abdelwahab,» Villes arabes disparues «, Melanges W. Marcais, pp. ١ ـ ٣١.
[٢]. Id.» Du nom arabe de la Byzacene «, Revue Tunisienne, ٩٣٩١, p. ١٠٢
[٣] برز مفهوم الساحل وعبارته في ابن الرّقيق ، تاريخ ، م. س ، ص ١٢٥ ، وفي الوثائق الخارجية.