تأسيس الغرب الإسلامي - هشام جعيط - الصفحة ٨٣ - II ـ تنظيم المغرب في القرن الثاني هجري المؤسسات الإسلامية ـ
تفاصيلها كما أنها هشّة ومبعثرة في شكل تحصينات مشيدة وقصور مبنيّة بشكل متعجّل يعبّر بشدة عن الضغط البربري. أما من حيث الإدارة العسكرية ، فكانت إفريقية البيزنطية منقسمة إلى أربعة أقسام ترابية : البيزاسان ، والبلاد الطرابلسية ، ونوميديا ، وموريطانيا ، على رأس كل واحدة دوق يساعده عدد من الضبّاط ومحاط ببيروقراطية هامة [١].
يحمل التنظيم العسكري العربي من جهته طابع جذوره : فقد انتصب بالفعل على أشلاء سحق شامل للبربر ، وبالتالي على شعور بالأمن. ولعلّ هذا النظام الذي حظي زهاء ثلث قرن على الأقل بسند الرعية ليبقى في السلطة (٨٦ ـ ١٢٣ ه) ، حتى يؤمّن بكل بساطة الحضور العربي ، مع اتباع الحذر من جانب البحر للتّصدي لهجمات المراكب البيزنطية. ومنه جاء التمركز في مواقع حضرية وعسكرية ، باستثناء الرباطات البحرية بالساحل [٢] والتي تسيطر على المدن ـ المخيّمات من النمط العربي ـ الشرقي كالقيروان. إزاء الترييف العميق للنمط البيزنطي [٣] وإزاء عقمه الكبير وتعقيده ، فإن النمط العربي يبرهن أنه أكثر بساطة وتركيزا وأفضل تناسقا مع الهيكل الإداري في الكور الذي فرض قيامه على أرضها.
في حوالي ١٢٠ ه / ٧٣٨ م ، ظهرت تحويرات هامة. فقد أخذت الحملات على صقلية بعدا كبيرا [٤] حيث وجّهت إفريقية نحو المتوسط
[١] ش. ديل ، م. س ، ج ١ ، ص ١٢٦ إلى ١٣٧.
[٢] منذ زمن يسبق بناء هرثمة بن أعين لرباط المنستير كان هناك رباطات صغيرة على البحر كما تفيد بذلك كتب الطبقات.
[٣] ك. كورتوا يميل إلى رأي آخر : من روما إلى الإسلام ، ص ٣٩ ، إذا قبلنا بحصول تطور بين روما وبيزنطة لوسائل الدفاع في اتجاه توسيع كبير للحياة الحضرية ، دون أن تدوم أشكال الحماية الحقيقية في الريف أكثر من ذلك والتي كانت تابعة بشكل كبير للبيزاسيوم (الساحل). انظر ش. ديل ، م. س ، ج ١ ، ص ١٨٥ ـ ٢١٥ ؛ انظر كذلك خريطة المنشآت العسكرية بالساحل في نفس الجزء.
[٤] بين ١٠٣ و ١٠٧ ه ، قام بشر بن صفوان باختراق صقلية وجلب منها كثيرا من العبيد ؛ البيان ، ص ٤٩ ، وفي ١٢٣ ه ، بلغ حبيب بن أبي عبدة أيضا صقلية ، م. س ، ص ٥٣.