تأسيس الغرب الإسلامي - هشام جعيط - الصفحة ١٤٤ - III ـ الحياة الاقتصادية والاجتماعية في إفريقية العربية القرن الثاني هجري
الرّدعي والجبائي. وأسند إلى القاضي القضاء المدني ، والقضاء الدّيني للحدود بالقدر الذي كان مطبّقا.
إذا حدث أن تدخّل الخليفة ـ في بعض المرّات ـ لتعيين القضاة في العهد العباسي أو العهد الأموي ، فإنّ ما كان شائعا هو أن تعيين هؤلاء يعود إلى الوالي [١]. وبالرّغم من ذلك ، فإن منصب القاضي الذي يعتمد في نشاطه على القانون الإيجابي المهيّأ خارج الدولة ، والمأخوذ عن المذاهب المشرقية ، لم يكن بناء على ذلك خارجا عن تدخلات الولاة وسلطانهم. على أنّ القاضي كان منذ ذلك الوقت أكثر من موظّف عادي ، وحتى وإن كان موظفا فهو ذو اعتبار. وقد جسّد بعض هؤلاء القضاة المتمتّعين بهالة أخلاقية دون منازع ، المجموعة الإسلامية التي قادوها في أوقات الأزمة مثل أبي كريب الذي يمثل أحسن مثال الشجاعة وحسّ المواطنة [٢].
ما يجب أن نشدّد عليه ، هو أنه مع توسّع مهامّ القاضي ونفوذه ، وكلما غصنا في الزمن ، وجدنا في عصر الولاة عناصر من شأنها أن تهيء لقدوم كبار قضاد الأغالبة.
بحكم اندماجها المتأخر في المجال الإمبراطوري للخلفاء ، كان لا بد لإفريقية أن يتأخر زمنيا قيام مؤسساتها. فكانت التنظيمات التي طبقت في هذه الولاية متناغمة وناجعة في جملتها ، إذ استجابت للتمشي العربي الشامل المحدث في الإطار المشرقي ، إلّا أنّ هذه التنظيمات تفرض عليها أيضا التأقلم مع الظروف المحلية ، والاعتماد ـ لوقت ما على الأقل ـ على الإرث الروماني ـ البيزنطي الذي ظلّ مع ذلك تأثيره ضعيفا في الجملة. على خلاف المريطانيتين القديمتين ، أثبتت إفريقية وجودها كنواة مركزية الأكثر تجسيدا للتنظيمات العربية. وفي هذا المعنى ، جاء المجهود الثابت واللّافت للنظر للغزاة الجدد فيما يتعلق بقدرتهم على
[١] المالكي ، رياض ، ص ٧٢ و ١١١ ؛ أبو العرب ، طبقات ، ص ٣٤ و ٣٥.
[٢] المالكي ، ص ١٠٧ ـ ١١٠.