الرّحلة الحجازيّة - الأمير شكيب أرسلان - الصفحة ٧٩ - الإنسان بني مزاجه على التعديل فإذا أفرط به الحر لجأ إلى البرد وإذا أفرط به البرد لجأ إلى الحر
والحرجات الملتفة إذا كانت الشّمس في الغالب محجوبة بالغمام؟ والماء البارد إنما يولع به الخلق في بوارح القيظ ، يتبرّدون به بالعلّ والنهل ، والغسل والمجاورة ، فأما إذا كان الهواء باردا من أصله ، فما لك وللتبرد والابتراد؟!
إنّ الإنسان بني مزاجه على التعديل ، فتجده لا يعرف الراحة والهناء إلا بتسليط العناصر بعضها على بعض ، حتى تصل إلى درجة الاعتدال ، فإذا أفرط به الحرّ لجأ إلى الماء والثلج وأهوية الجبال ، وإذا أفرط به البرد لجأ إلى النار والشمس والصوف وأهوية السواحل.
فما دام الإنسان لا يشعر بالحرارة ، فالبهجة التي عنده للماء الزّلال والظل ، والمرج الأخضر ، والشجر الملتفّ ـ لا تكاد تذكر بالقياس إلى البهجة التي عنده بها والسّموم تهبّ ، والجوف يتلهب.
فالجنات والعيون ، والأنهار ، والأشجار ، إنما جعلها الله نعيما في البلاد الحارة والمعتدلة ، كجزيرة العرب ، ومصر ، والمغرب ، والشام ، والعراق ، وفارس ، وما في ضربها ، ففي هذه الأقاليم تظهر قيمتها ، ويغالي المرء في ثمنها ، ويلحق بهذا الضرب من البلدان إيطالية وإسبانية والجزائر التي في البحر المتوسط ، وجميع جنوبيّ أوربة.
ولقد وجدت مرة في رومية [١] في فصل القيظ ، ففررت منها إلى بلدة تيفولي ، على مسافة ساعتين من رومية في سفح الجبل ، ونعمت من النهر العذب الفياض المنحدر من هناك ، وبشلالات ذلك النهر ، وبحيراته وحياضه ، بما لا أنساه طول حياتي ، وإنما كانت درجة الحرارة البالغة (٣٤) هي التي توحي إليّ بتلك المحاسن التي رأيتها على نهر تيفولي ، وتنطقني بهذه الفقر الشاعرة في وصفها.
* * *
[١] [رومة عاصمة إيطالية].