الرّحلة الحجازيّة - الأمير شكيب أرسلان - الصفحة ١٧ - مؤامرات الدول الصليبية في إقامة العقبات أمام حجاج بيت الله الحرام
ما وضعوه من العواثير والعقاب في سبيل الحج باسم المحافظة على الصحة قد أنالهم بعض مرادهم منه بقلّة من يتحمّل مشقته من ملوك المسلمين ، وأمرائهم المترفين ، وأغنيائهم المحسنين ، وزعمائهم المفكرين.
وقد كانوا حاولوا أن يقرّروا في مؤتمر طبيّ عقد بمصر في أوائل عهد الاحتلال البريطاني أنّ الحجاز بيئة وبائية بطبعه ، يجب جعله تحت سلطة الحجر الدولي دائما لذاته ، فجاهد المرحوم سالم باشا سالم كبير أطباء مصر ـ والطبيب الخاصّ لسموّ الخديوي توفيق باشا وأسرته ـ ، يومئذ جهادا كبيرا دون ذلك ، حتى دحض كلّ شبهة تؤيّد هذا الاقتراح ، وأثبت بالأدلة الفنية الطبيّة والتاريخية أنّ الحجاز ليس بوطن لوباء الهيضة الوبائية (الكوليرة) ولا لغيرها من الأوبئة السارية المعدية ، ولكنني لم أضع لهذه المسألة حاشية ، بل أدعها إلى علم الأمير الواسع ، ورأيه الناضج ، لعلّه يستدرك ما يرى استدراكه ممحّصا لهذا الرأي.
وها أنا ذا أزفّ إلى قرّاء العربية هذه الرحلة النفيسة ، والارتسامات اللطيفة ، ولا ريب عندي في أنهم يقدّرونها قدرها ، ويعنون معي بنشرها ، وبثّ الدعاية إلى العمل بما فيها من النصيحة الثمينة ، التي تتوقف عليها حياة هذه الأمة المسكينة ، التي كانت هي الناشرة لدعوة الإسلام ، والمفيضة لنور هدايته ، والمفجّرة لأنهار حضارته ، وبإحيائها وعمران بلادها يناط بقاؤه ، ويعود رواؤه ، وينضر إهابه ، ويتجدّد شبابه.
وأختم هذا التصدير لها بما يؤيد قولي هذا من الأحاديث النبوية في شأن الحجاز ومستقبله ، وكونه مأرز الإسلام ومعقله ، وحصنه وموئله ، عند ما يشتدّ على المسلمين البغيّ والعدوان ، ويركبون المناكير ، فيناكرهم الزّمان ، أو تستباح بيضتهم بما أعرضوا عن هداية القرآن.