إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٨ - الآفة السابعة عشرة
فإن قلت:بما ذا يصير الرجل ذا لسانين!و ما حد ذلك؟ فأقول،إذا دخل على متعاديين،رجا من كل واحد منهما ،و كان صادقا فيه،لم يكن منافقا،و لا ذا لسانين.فإن الواحد قد يصادق متعاديين.و لكن صداقة ضعيفة،لا تنتهي إلى حد الأخوة.إذ لو تحققت الصداقة،لاقتضت معاداة الأعداء،كما ذكرنا في كتاب آداب الصحبة و الأخوة.نعم لو نقل كلام كل واحد منهما إلى الآخر،فهو ذو لسانين و هو شر من النميمة،إذ يصير نماما بأن ينقل من أحد الجانبين فقط.فإذا نقل من الجانبين فهو شر من النمام.و إن لم ينقل كلاما،و لكن حسن لكل واحد منهما ما هو عليه من المعاداة مع صاحبه،فهذا ذو لسانين.و كذلك إذا وعد كل واحد منهما بأن ينصره،و كذلك إذا أثنى على كل واحد منهما في معاداته.و كذلك إذا أثنى على أحدهما،و كان إذا خرج من عنده يذمه،فهو ذو لسانين.بل ينبغي أن يسكت،أو يثنى على المحق من المتعاديين،و يثنى عليه في غيبته،و في حضوره،و بين يدي عدوه.قيل لابن عمر رضي اللّه عنهما،[١]إنا ندخل على أمرائنا فنقول القول،فإذا خرجنا قلنا غيره.فقال كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم .و هذا نفاق مهما كان مستغنيا عن الدخول على الأمير،و عن الثناء عليه.فلو استغنى عن الدخول،و لكن إذا دخل يخاف إن لم يثن،فهو نفاق،لأنه الذي أحوج نفسه إلى ذلك.فإن كان مستغنيا عن الدخول لو قنع بالقليل،و ترك المال و الجاه فدخل لضرورة الجاه و الغنى،و أثنى،فهو منافق.و هذا معنى قوله صلى اللّه عليه و سلم[٢] «حبّ المال و الجاه ينبتان النّفاق في القلب كما ينبت الماء البقل »لأنه يحوج إلى الأمراء و إلى مراعاتهم و مراءاتهم.فأما إذا ابتلى به لضرورة،و خاف إن لم يثن،فهو معذور فإن اتقاء الشر جائز.قال أبو الدرداء رضي اللّه عنه،إنا لنكشر في وجوه أقوام،