إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٣ - و كتب الحسن البصري،إلى عمر بن عبد العزيز
فسرورها مشوب بالأحزان،لا يرجع منها ما ولى و أدبر،و لا يدرى ما هو آت، فينتظر.أمانيها كاذبة،و آمالها باطلة،و صفوها كدر،و عيشها نكد،و ابن آدم فيها على خطر،إن عقل و نظر.فهو من النعماء على خطر،و من البلاء على حذر.فلو كان الخالق لم يخبر عنها خبرا،و لم يضرب لها مثلا،لكانت الدنيا قد أيقظت النائم،و نبهت الغافل فكيف و قد جاء من اللّه عز و جل عنها زاجر،و فيها واعظ،فما لها عند اللّه جل ثناؤه قدر و ما نظر إليها منذ خلقها[١].و لقد عرضت على نبيك صلى اللّه عليه و سلم بمفاتيحها و خزائنها لا ينقصه ذلك عند اللّه جناح بعوضة،فأبى أن يقبلها،اذكره أن يخالف على اللّه أمره، أو يحب ما أبغضه خالقه،أو يرفع ما وضع مليكه.فزواها عن الصالحين اختبارا،و بسطها لأعدائه اغترارا ،فيظن المغرور بها،المقتدر عليها،أنه أكرم بها،و نسى ما صنع اللّه عز و جل بمحمد صلى اللّه عليه و سلم،[٢]حين شد الحجر على بطنه ،و لقد جاءت الرواية عنه عن ربه عز و جل،أنه قال لموسى عليه السلام،إذا رأيت الغنى مقبلا،فقل ذنب عجلت عقوبته.و إذا رأيت الفقر مقبلا،فقل مرحبا بشعار الصالحين.و إن شئت اقتديت بصاحب الروح و الكلمة،عيسى بن مريم عليه السلام،فإنه كان يقول،إدامى الجوع،و شعارى الخوف،و لباسى الصوف،و صلائى في الشتاء مشارق الشمس،و سراجي القمر،و دابتي رجلاى،و طعامى و فاكهتي ما أنبتت الأرض،أبيت و ليس لي شيء،و أصبح و ليس لي شيء.و ليس على الأرض أحد أغنى منى.و قال وهب بن منبه،لما بعث اللّه عز و جل موسى و هارون عليهما السلام إلى فرعون ،قال لا يرو عنكما لباسه الذي لبس من الدنيا ،فإن ناصيته بيدي،ليس ينطق،و لا يطرف،و لا يتنفس إلا بإذنى و لا يعجبنكما ما تمتع به منها فإنما هي زهرة الحياة الدنيا،و زينة المترفين.فلو شئت أن أزينكما بزينة من الدنيا،يعرف