إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٠ - الآثار
و قال أبو هريرة،الدنيا موقوفة بين السماء و الأرض،كالشن البالي ،تنادي ربها منذ خلقها إلى يوم يفنيها،يا رب،يا رب،لم تبغضني؟فيقول لها اسكتي يا لا شيء.و قال عبد اللّه بن المبارك حب الدنيا،و الذنوب في القلب قد احتوشته؟فمتى يصل الخير إليه؟و قال وهب بن منبه من فرح قلبه بشيء من الدنيا،فقد أخطأ الحكمة.و من جعل شهوته تحت قدميه،فرق الشيطان من ظله.و من غلب علمه هواه،فهو الغالب.و قيل لبشر،مات فلان.فقال جمع الدنيا و ذهب إلى الآخرة ضيع نفسه.قيل له إنه كان يفعل و يفعل،و ذكروا أبوابا من البر،فقال و ما ينفع هذا و هو يجمع الدنيا؟ و قال بعضهم،الدنيا تبغض إلينا نفسها،و نحن نحبها.فكيف لو تحببت إلينا .و قيل لحكيم،الدنيا لمن هي؟قال لمن تركها.فقيل الآخرة لمن هي؟قال لمن طلبها.و قال حكيم،الدنيا دار خراب،و أخرب منها قلب من يعمرها.و الجنة دار عمران،و أعمر منها قلب من يطلبها .و قال الجنيد،كان الشافعي،رحمه اللّه،من المريدين الناطقين بلسان الحق في الدنيا، وعظ أخا له في اللّه،و خوفه باللّه،فقال يا أخي،إن الدنيا دحض مزلة،و دار مذلة،عمرانها إلى الخراب صائر،و ساكنها إلى القبور زائر.شملها على الفرقة موقوف،و غناها إلى الفقر مصروف الإكثار فيها إعسار،و الإعسار فيها يسار،فافزع إلى اللّه،و ارض برزق اللّه لا تتسلف من دار فنائك إلى دار بقائك،فإن عيشك في زائل،و جدار مائل.أكثر من عملك،و أقصر من أملك و قال إبراهيم بن أدهم لرجل:أ درهم في المنام أحب إليك أم دينار في اليقظة؟فقال دينار في اليقظة.فقال كذبت،لأن الذي تحبه في الدنيا،كأنك تحبه في المنام.و الذي لا تحبه في الآخرة،كأنك لا تحبه في اليقظة.و عن إسماعيل بن عياش قال:كان أصحابنا يسمون الدنيا خنزيرة،فيقولون إليك عنا يا خنزيرة.فلو وجدوا لها اسما أقبح من هذا لسموها به .
و قال كعب،لتحببن إليكم الدنيا حتى تعبدوها و أهلها.و قال يحيى بن معاذ الرازي،رحمه اللّه العقلاء ثلاثة،من ترك الدنيا قبل أن تتركه،و بني قبره قبل أن يدخله،و أرضى خالقه قبل أن يلقاه.و قال أيضا،الدنيا بلغ من شؤمها أن تمنيك لما يلهيك عن طاعة اللّه،فكيف الوقوع فيها.و قال بكر بن عبد اللّه،من أراد أن يستغنى عن الدنيا بالدنيا،كان كمطفئ النار بالتبن.و قال بندار،إذا رأيت أبناء الدنيا يتكلمون في الزهد،فاعلم أنهم في سخرة الشيطان