إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٩ - الآثار
أن القدر حق،كيف ينصب !و قدم على معاوية رضى اللّه عنه رجل من نجران،عمره مائتا سنة.فسأله عن الدنيا كيف وجدها؟فقال سنيات بلاء،و سنيات رخاء يوم فيوم و ليلة فليلة يولد ولد،و يهلك هالك.فلو لا المولود لباد الخلق،و لو لا الهالك ضاقت الدنيا بمن فيها.فقال له سل ما شئت.قال:عمر مضى فترده،أو أجل حضر فتدفعه.قال لا أملك ذلك.قال لا حاجة لي إليك و قال داود الطائي رحمه اللّه،يا ابن آدم،فرحت ببلوغ أملك،و إنما بلغته بانقضاء أجلك.ثم سوفت بعملك،كأن منفعته لغيرك.و قال بشر،من سأل اللّه الدنيا فإنما يسأله طول الوقوف بين يديه.و قال أبو حازم،ما في الدنيا شيء يسرك،إلا و قد ألصق اللّه إليه شيئا يسوءك.و قال الحسن:لا تخرج نفس ابن آدم من الدنيا إلا بحسرات ثلاث،أنه لم يشبع مما جمع،و لم يدرك ما أمل،و لم يحسن الزاد لما يقدم عليه.و قيل لبعض العباد،قد نلت الغنى.فقال إنما نال الغنى من عتق من رق الدنيا .
و قال أبو سليمان:لا يصبر عن شهوات الدنيا،إلا من كان في قلبه ما يشغله بالآخرة و قال مالك بن دينار،اصطلحنا على حب الدنيا،فلا يأمر بعضنا بعضا،و لا ينهى بعضنا بعضا،و لا يدعنا اللّه على هذا،فليت شعري أي عذاب اللّه ينزل علينا.و قال أبو حازم، يسير الدنيا يشغل عن كثير الآخرة .و قال الحسن،أهينوا الدنيا،فو اللّه ما هي لأحد بأهنأ منها لمن أهانها.و قال أيضا،إذا أراد اللّه بعبد خيرا،أعطاه من الدنيا عطية،ثم يمسك فإذا نفد أعاد عليه.و إذا هان عليه عبد،بسط له الدنيا بسطا.و كان بعضهم يقول في دعائه يا ممسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنك،أمسك الدنيا عنى،و قال محمد بن المنكدر، أ رأيت لو أن رجلا صام الدهر لا يفطر،و قام الليل لا ينام،و تصدق بماله،و جاهد في سبيل اللّه،و اجتنب محارم اللّه،غير أنه يؤتى به يوم القيامة،فيقال إن هذا عظم في عينه ما صغره اللّه،و صغر في عينه ما عظمه اللّه،كيف ترى يكون حاله؟فمن منا ليس هكذا؟الدنيا عظيمة عنده،مع ما اقترفنا من الذنوب و الخطايا و قال أبو حازم،اشتدت مئونة الدنيا و الآخرة،فأما مئونة الآخرة فإنك لا تجد عليها أعوانا و أما مئونة الدنيا،فإنك لا تضرب بيدك إلى شيء منها،إلا وجدت فاجرا قد سبقك إليه