إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٠ - و أما القسم الثاني
حتى تحمر وجنتاه،حتى قال[١]«اللّهمّ أنا بشر أغضب كما يغضب البشر فأيّما مسلم سببته أو لعنته أو ضربته فاجعلها منّى صلاة عليه و زكاة و قربة تقرّبه بها إليك يوم القيامة »و قال عبد اللّه بن عمرو بن العاص،[٢]يا رسول اللّه،أكتب عنك كل ما قلت في الغضب و الرضا؟فقال«اكتب فو الّذي بعثني بالحقّ نبيّا ما يخرج منه إلاّ حقّ» و أشار إلى لسانه.فلم يقل إنى لا أغضب.و لكن قال إن الغضب لا يخرجني عن الحق، أي لا أعمل بموجب الغضب.و غضبت عائشة رضي اللّه عنها مرة،فقال لها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم[٣]«مالك جاءك شيطانك»فقالت و مالك شيطان؟قال«بلى و لكنّى دعوت اللّه فأعاننى عليه فأسلم فلا يأمرنى إلاّ بالخير »و لم يقل لا شيطان لي و أراد شيطان الغضب،لكن قال لا يحملني على الشر.و قال علي رضى اللّه عنه،[٤]كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لا يغضب للدنيا.فإذا أغضبه الحق،لم يعرفه أحد،و لم يقم لغضبه شيء،حتى ينتصر له .
فكان يغضب على الحق،و إن كان غضبه للّٰه،فهو التفات إلى الوسائط على الجملة بل كل من يغضب على من يأخذ ضرورة قوته و حاجته،التي لا بد له في دينه منها،فإنما غضب للّٰه،فلا يمكن الانفكاك عنه.نعم قد يفقد أصل الغضب فيما هو ضروري،إذا كان القلب مشغولا بضروري أهم منه،فلا يكون في القلب متسع للغضب،لاشتغاله بغيره،فإن استغراق القلب ببعض المهمات،يمنع الإحساس بما عداه،و هذا كما أن سلمان لما شتم قال،إن خفت موازينى فأنا شر مما تقول،و إن ثقلت موازينى لم يضرني ما تقول فقد كان همه مصروفا إلى الآخرة،فلم يتأثر قلبه بالشتم.و كذلك شتم الربيع بن خثيم فقال يا هذا،قد سمع اللّه كلامك،و إن دون الجنة عقبة،إن قطعتها لم يضرني ما تقول،