إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٢ - بيان
رديئة مذمومة شرعا،و لا خلاص من الغضب مع بقاء هذه الأسباب،فلا بد من إزالة هذه الأسباب بأضدادها .فينبغي أن تميت الزهو بالتواضع،و تميت العجب بمعرفتك بنفسك،كما سيأتي بيانه في كتاب الكبر و العجب،و تزيل الفخر بأنك من جنس عبدك إذ الناس يجمعهم في الانتساب أب واحد،و إنما اختلفوا في الفضل أشتاتا،فبنو آدم جنس واحد،و إنما الفخر بالفضائل ،و الفخر و العجب و الكبر أكبر الرذائل،و هي أصلها و رأسها فإذا لم تخل عنها فلا فضل لك على غيرك.فلم تفتخر و أنت من جنس عبدك،من حيث البنية و النسب،و الأعضاء الظاهرة و الباطنة و أما المزاح فتزيله بالتشاغل بالمهمات الدينية التي تستوعب العمر و تفضل عنه إذا عرفت ذلك،و أما الهزل فتزيله بالجد في طلب الفضائل و الأخلاق الحسنة،و العلوم الدينية،التي تبلغك إلى سعادة الآخرة.و أما الهزء فتزيله بالتكرم عن إيذاء الناس،و بصيانة النفس عن أن يستهزأ بك.و أما التعيير فبالحذر عن القول القبيح،و صيانة النفس عن مر الجواب و أما شدة الحرص على مزايا العيش فتزال بالقناعة بقدر الضرورة،طلبا لعز الاستغناء،و ترفعا عن ذل الحاجة .و كل خلق من هذه الأخلاق،و صفة من هذه الصفات،يفتقر في علاجه إلى رياضة و تحمل مشقة.و حاصل رياضتها يرجع إلى معرفة غوائلها،لترغب النفس عنها،و تنفر عن قبحها.ثم المواظبة على مباشرة أضدادها مدة مديدة،حتى تصير بالعادة مألوفة هينة على النفس.فإذا انمحت عن النفس،فقد زكت و تطهرت عن هذه الرذائل، و تخلصت أيضا عن الغضب الذي يتولد منها.و من أشد البواعث على الغضب عند أكثر الجهال،تسميتهم الغضب شجاعة،و رجولية،و عزة نفس،و كبرهمة،و تلقيبه بالألقاب المحمودة،غباوة و جهلا،حتى تميل النفس إليه و تستحسنه.و قد يتأكد ذلك بحكاية شدة الغضب عن الأكابر،في معرض المدح بالشجاعة.و النفوس مائلة إلى التشبه بالأكابر فيهيج الغضب إلى القلب بسببه.و تسمية هذا عزة نفس و شجاعة جهل،بل هو مرض قلب،و نقصان عقل،و هو لضعف النفس و نقصانها.و آية أنه لضعف النفس أن المريض أسرع غضبا من الصحيح،و المرأة أسرع غضبا من الرجل،و الصبي أسرع غضبا من الرجل الكبير و الشيخ الضعيف أسرع غضبا من الكهل،و ذو الخلق السيئ و الرذائل القبيحة أسرع غضبا