محك النظر - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٤ - طبيعة الكتاب وموضوعاته
لذلك يقول الغزالي : «القياس المنتج لا ينصاغ إلاّ من مقدمات يقينيّة ، إن كان المطلوب يقينيّا أو ظنيّا ، إن كان المطلوب فقهيّا» [١].
واليقيني في المحكّ هو الذي لا يقبل الاحتمال أو الإمكان ، ويكون بمثابة البديهيّات العقليّة والاعتقادات الدينية. فالعلوم الدينية قضاياها جازمة ، كما يقول الغزالي. ف «لنسمّ هذا الجنس اعتقادا جزما وهو أكثر اعتقاد عوام المسلمين واليهود والنصارى في معتقداتهم ومذاهبهم ...» [٢]. وسبق أن تكلمنا عن رفض الغزالي لموادّ قضايا أرسطو وأقيسته ، واعتماده المادّة الإسلامية مضمونا. وها نحن نجده يعتمد هذه المعاني بما تحمله المصطلحات والتعابير والرموز اللغوية ، فحوى ومعنى ، مثلما شرحنا.
ونستطرد بأنّ الظنّ له دلالات فقهيّة إلى جانب دلالاته العقلية ، كما لليقين دلالات لغويّة وصوفيّة وأصوليّة دينية. وقد ترسّخت هذه المفاهيم متميّزة من غيرها منذ المحكّ. وبهذا انتقلت مادّة القياس فيه إلى مضامين دينية ، بعد أن كانت خليطا ، في المقاصد والمعيار ، من التأثر بابن سينا والتصنيف العقليّ المنطقيّ ، زيادة على بعض المعاني والمرادفات الإسلامية. ومن مواد المقدمات اليقينية التواتر الذي يحصّله الغزالي بقوله : « ... زاد الظنّ ، وهكذا لا يزال يترقّى قليلا قليلا في القوّة إلى أن ينقلب الظنّ على التدريج يقينا إذا انتهى الخبر إلى حدّ التواتر ...» [٣]. وتتعلق هذه الشروح بالحديث الشريف وبتواتر المعلومات الإسلامية بشكل محصور ومحدّد.
وقد صنّفت أنواع المقدّمات متشابهة مع المعيار ، وقال الغزالي فيها : «اعلم أنّ مدارك الظنون لست أذكرها فإنها واضحة للفقهاء والناس كافّة ، ولكن أذكر مدارك اليقين والاعتقادات التي يظنّ بها اليقين. ومجامعها في ما حضرني الآن ينحصر في سبعة أقسام ...» [٤]. ولم يلبث أن ذكرها بالتفصيل كالآتي : (الأوليّات ، والمشاهدات الباطنة ، والمحسوسات الظاهرة ، والتجريبيّات ، والتواتر ، والوهميّات ، والمشهورات). وكان
[١] الغزالي ، المحكّ ، ص ٤٥.
[٢] المصدر نفسه ، ص ٤٦.
[٣] المصدر نفسه ، ص ٤٧.
[٤] المصدر نفسه ، ص ٤٧.