محك النظر - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٢ - طبيعة الكتاب وموضوعاته
على ما ذكرنا. وقد كانت أمثلة التعاند في المحكّ [١] شبيهة بأمثلة الشرطيّ المنفصل في المعيار. وليس ضروريّا أن تتألف مقدّمة التعاند من قسمين وقضيّتين ، فربّما تكوّنت من ثلاث. ف «إنّا نقول هذا الشيء إمّا مساو وإمّا أقلّ وإمّا أكثر فهذه ثلاثة ، ولكنّها حاصرة. فإثبات واحد ينتج نفي الآخرين ، وإبطال اثنين ينتج إثبات الثالث ...» [٢] وبهذا الشرح يقترب الغزالي من السبر والتقسيم.
ما إن يختم فصل أشكال القياس في المحكّ حتى تتيسّر مادّته وتتخيّر دربا سرى عليه الغزالي في كتبه السابقة ، من دون استحداث طرق ومنازل ، اللهمّ سوى المعاني الإسلامية والأغراض الأصولية. وقيل مادّة القياس تمييزا من الصورة ، إذ ورد التعبير عند كلّ المناطقة من دون استثناء.
والمادّة : «هي التي يحصل الشيء معها» [٣]. وهذا التعريف يستند على نظرة أرسطو الفلسفية ، التي ترى أنّ المادة شيء ما بالقوة ، يكتمل حين تحقّقه الصورة. وقد اصطلح الغزالي والمشائية الإسلامية عليها ليشيروا إلى مضمون المقدمات القياسيّة ، يقينيّة كانت أو ظنيّة.
أما «صورة الشيء فما به يحصل الشيء بالفعل» [٤]. وأصابت منطقيّا في دلالتها على النظم وصورته ومعاييره ، من دون تناول يقينيّة قضاياه.
ويقول أبو البقاء عنها : «تطلق الصورة على ترتيب الأشكال ووضع بعضها من بعض واختلاف تركيبها ... وقد تطلق على ترتيب المعاني التي ليست محسوسة ، فإنّ للمعاني ترتيبا أيضا وتركيبا وتناسبا ...» [٥]. وكان أن ورد تعبيرا المادّة والصورة في المقاصد والمعيار ، بينما استعيض عنهما في
[١] الغزالي ، المحكّ ، ص ٤٢ ـ ٤٤.
[٢] المصدر نفسه ، ص ٤٣.
[٣] الجرجاني ، التعريفات ، ص ١٣١.
[٤] المرجع نفسه ، ص ٩٢.
[٥] الكفوي ، الكليّات ، ص ٢٢٦.