دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ٧٦ - الفصل الثالث قصة الطوفان في القرآن الكريم
ويجيب العليّ القدير دعوة النبي الكريم ، فيأمره أن يصنع الفلك «حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ ، قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ، وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ» [١] ، وهكذا أنقذ الله نوحا ومن آمن معه ، وأهلك الكافرين من قومه «وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ ، وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» [٢] ثم أمر الله نوحا أن «اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ» [٣].
هذه هي الخطوط الرئيسية بإيجاز شديد لقصة نوح عليهالسلام ـ كما أخبر عنها ربي جلّ جلاله في القرآن الكريم ـ وهي هنا إذا ما قورنت بغيرها من القصص الذي تعرض لقصة الطوفان ، سواء أكان ذلك من القصص الإنساني أو السماوي ، لبان لنا بوضوح الفرق الشاسع ـ بغير حدود ـ بين ما أنزله الله على مولانا وسيدنا رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وبين ما كتبته أقلام ناقصة معرفة أحيانا ، ومتعصبة أحيانا أخرى ، وساذجة في أغلب الأحايين ، وإن كان بعضها يزعم لها أصحابها ما يزعمون من قداسة.
والقرآن الكريم حين تناول قصة الطوفان تناولها بما يتفق وأغراض القصص القرآني ، دونما حاجة إلى تفصيلات لا يقتضيها سياق القصة ، ثم جاء المفسرون والمؤرخون الإسلاميون وحاولوا تفسير هذه القصة بإسهاب وتفصيل ، إلا أن هذا التفصيل لعبت فيه الإسرائيليات دورا عكّر صفوها في كثير من الأحايين ، فيرون مثلا أن الله أمر نوحا أن يغرس شجرا ليصنع منه السفينة ، وأن النبي الكريم قد غرس هذا الشجر ، ثم انتظره مائة عام ، ثم نجره في مائة أخرى على رواية ، وفي أربعين على رواية أخرى [٤] ، ولست أدري من أين جاءوا بهذا الأرقام ، وما هو المصدر الذي اعتمدوا عليه.
والأمر كذلك بالنسبة إلى طول السفينة ، فهي ثلاثمائة ذراع في عرض خمسين
[١] سورة هود : آية ٤٠.
[٢] سورة هود : آية ٤٤.
[٣] سورة هود : آية ٤٨.
[٤] الإمام أبو الفداء إسماعيل بن كثير : ـ البداية والنهاية في التاريخ ج ١ (القاهرة ١٩٣٢) ص ١١٠ ، وكذلك الإمام القرطبي : الجامع لأحكام القرآن ـ دار الشعب ١٩٧٠ ـ ص ٣٢٥٩ ، وكذلك الإمام الطبري : تاريخ الرسل والملوك ج ١ ص ١٨١ (حيث يذكر رواية ثالثة تذهب إلى أنها أربعمائة عام).