تنزيه الأبصار والأفكار في رحلة سلطان زنجار - زاهر بن سعيد - الصفحة ٩
أهمية هذا الوصف :
إن" تنزيه الأبصار" وصف يسد فراغا في أوصاف الرحلة في القرن ١٩. ذلك أن رحالة هذا القرن تميّزوا بآراءهم الاصلاحية وبتنبيه العرب إلى ضرورة النهضة ، " وإيقاظ الغافلين من رجال السياسة وسائر الخواص والعوام ببيان ما ينبغي أن تكون عليه التصرفات الداخلية والخارجية وذكر ما تأكّد معرفته من أحوال الأمم الإفرنجية" [١]. كان هؤلاء الرحالة" مثاليين" لم ينتبهوا إلى" فارق" جوهري يفصل بين عقلية العربي وعقلية الغربي ، ألا وهو" حبّ العمل". لقد توهّم الرحّالة مثل هذه المقولة : " أساس جميع ذلك (التمدّن) حسن الإمارة المتولّد منه الأمن ، المتولّد منه الأمل ، المتولّد منه إتقان العمل المشاهد في الممالك الأروباوية بالعيان" [٢].
هذه المقولة تمثّل ـ في نظر السلطان برغش ـ الهرم مقلوبا : فقد كشف ـ على عكس المصلحين الآخرين ـ عن أخطر ما يؤدّي إلى ضعف الأمّة. إنّ" حسن الإمارة" لا يعني شيئا إذا كان المجتمع يكرّس الكسل ، ويأنف من العمل. وقد عبّر السلطان عن موقفه ـ هذا ـ في مناسبات عدّة. منها قوله ، وهو يخاطب الإنكليز : " أودّ لو أن أقدر [على أن] أرسل قوما من شعبي (...) ليتعلّموا من عملة معاملكم منافع الشغل والجهد" [٣].
لقد أدرك السلطان برغش ـ وهو يمارس دوره السياسي ـ أنّ" الحريّة" لا تصنع وحدها" النهضة" ، ثم" التقدم" ، ما لم يكن المجتمع متحفزّا للبذل والجهد ، طموحا لتحقيق المعالي ، ساعيا إلى العزّ والسؤدد.
هذا الطرح الواقعي تميّز به" تنزيه الأبصار". وهذا يشفع للعناية به. وليس هذا فحسب ، وإنّما هو وصف يتوفر على مظاهر أخرى من الأهمية ، مثل التعرّف على أسباب تقدّم
[١] خير الدين : أقوم : ص ٨٤. وهذا القول يلخص مفهوم النهضة عند عامة الإصلاحيّين الذين يقولون بالأخذ عن أوروبا أسباب النهضة.
[٢] خير الدين : أقوم : ص ٨٩.
[٣] تنزيه : ص ١٢٩ ، وقد توسعنا في بحث مفهوم النهضة عند السلطان في : " النهضة في نظر السلطان برغش من خلال وصف (تنزيه الأبصار) " مجلة : كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية ، جامعة قطر ، سنة ٢٠٠٢.