المهدي (عج) - الصدر، السيد صدر الدين - الصفحة ١٧٥ - الرابع امتحان الناس و اختبارهم
و هو يبكي بكاء الواله الثكلي ذات الكبد الحرّى قد نال الحزن من وجنتيه، و شاع التغيير في عارضيه، و أبلى الدموع محجريه، و هو يقول: سيّدي غيبتك نفت رقادي، و ضيّقت عليّ مهادي، و ابتزّت منّي راحة فؤادي، سيّدي غيبتك أوصلت مصابي بفجائع الأبد، و فقد الواحد بعد الواحد يفني الجمع و العدد، فما أحسّ بدمعة أرقي من عيني، و أنين يفتر من صدري عن دوارج الرزايا و سوالف البلايا إلاّ مثّل لعيني عن غوابر أعظمها و أنطعها، و بواقي أشدّها و أنكرها، و نوائب مخلوطة بغضبك، و نوازل معجونة بسخطك.
قال سدير: فاستطارت عقولنا و لها، و تصدّعت قلوبنا جزعا من ذلك الخطب الهائل و الحادث الغائل، و ظنّنا أنّه سمت لمكروه قارعة، أو حلّت به من الدّهر بائقة، فقلنا:
لا أبكى اللّه يا ابن خير الورى عينيك من أيّ حادثة تستنزف دمعتك، و تستمطر عبرتك، و أيّة حالة حتمت عليك هذا المأتم؟
قال: فزفر الصادق عليه السّلام زفرة إنتفخ منها جوفه، و اشتدّ عنها خوفه، و قال: ويكم (ويلكم خ) إنّي نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم و هو الكتاب المشتمل على علم المنايا و البلايا و الرزايا و علم ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة الذي خصّ اللّه تقدّس اسمه به محمّدا و الأئمّة من بعده عليه و عليهم السلام، و تأمّلت منه مولد قائمنا و غيبته، و إبطاءه و طول عمره، و بلوى المؤمنين به من بعده في ذلك الزمان، و تولّد الشكوك في قلوبهم من طول غيبته، و ارتداد أكثرهم عن دينهم، و خلعهم ربقة الإسلام من أعناقهم التي قال اللّه تقدّس ذكره: وَ كُلَّ إِنسََانٍ أَلْزَمْنََاهُ طََائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [١] يعني الولاية.
فأخذتني الرّقة، و استولت عليّ الأحزان، فقلنا: يا ابن رسول اللّه، كرّمنا و شرّفنا بإشراكك إيّانا في بعض ما أنت تعلمه من علم ذلك.
قال: إنّ اللّه تبارك و تعالى أدار في القائم منّا ثلاثة أدارها في ثلاثة من الرسل: قدّر مولده تقدير مولد موسى، و قدّر غيبته تقدير غيبة عيسى، و قدّر إبطاءه كتقدير إبطاء نوح عليه السّلام،
[١] . الإسراء (١٧) الآية ١٣.