المغازي - الواقدي - الصفحة ٦ - مقدمة التحقيق

(١) و قد أفاضت أكثر المراجع في ذكر عناية الواقدي بجمع التفاصيل عن الأخبار و الأحاديث و الروايات المختلفة، و أشادت بجهوده فى هذا السبيل.

روى ابن عساكر، و الخطيب البغدادي، و ابن سيد الناس [١] عن الواقدي أنه قال: ما أدركت رجلا من أبناء الصحابة و أبناء الشهداء، و لا مولى لهم إلا سألته:

هل سمعت أحدا من أهلك يخبرك عن مشهده و أين قتل؟ فإذا أعلمنى مضيت إلى الموضع فأعاينه، و لقد مضيت إلى المريسيع فنظرت إليها، و ما علمت غزاة إلا مضيت إلى الموضع حتى أعاينه.

و قد رويت أخبار مشابهة عن هارون الفروى، قال: رأيت الواقدي بمكة و معه ركوة، فقلت: أين تريد؟ قال: أريد أن أمضى إلى حنين، حتى أرى الموضع و الوقعة [٢].

و يشهد لنباهة الواقدي في هذا الشأن ما ذكر من أن هارون الرشيد، و يحيى بن خالد البرمكي- حين زارا المدينة في حجّهما- طلبا من يدلهما على قبور الشهداء و المشاهد، فدلوهما على الواقدي الذي صحبهما في زيارتهما، و لم يدع موضعا من المواضع و لا مشهدا من المشاهد إلا مرّ بهما عليه [٣].

و كان لقاء الواقدي بيحيى بن خالد خيرا و بركة على الواقدي، و قد ظلت هذه الصّلة بينهما حتى بعد نكبة البرامكة [٤]. و قد صرف الواقدي المنحة التي منحه إياها هارون الرشيد- و قدرها عشرة آلاف درهم- فى قضاء ديون كانت قد تراكمت عليه، كما أنفق منها على زواج بعض ولده، و بقي في يسر وسعة [٥].

و قد أجمعت كل المصادر التي ترجمت للواقدي على أنه كان جوادا كريما معروفا بالسخاء، مما سبّب له اضطرابا ماديا، ظلّ يعانى منه طول حياته [٦].


[١] تاريخ مدينة دمشق، ج ١١، ورقة ٥ (١)، تاريخ بغداد، ج ٣، ص ٦، عيون الأثر، ج ١، ص ١٨.

[٢] تاريخ مدينة دمشق، ج ١١، ورقة ٥ (١)، تاريخ بغداد، ج ٣، ص ٦، عيون الأثر، ج ١، ص ١٨.

[٣] انظر القصة بتمامها في ابن سعد (الطبقات، ج ٥، ص ٣١٥).

[٤] الطبقات، ج ٥، ص ٣١٩.

[٥] الطبقات، ج ٥، ص ٣١٥.

[٦] تاريخ مدينة دمشق، ج ١١، ورقة ٥ (١)، تاريخ بغداد، ج ٣، ص ٣، عيون الأثر، ج ١، ص ١٧.