المغازي - الواقدي - الصفحة ٢١ - وهب بن منبه

(١) مروان: أما بعد، فإنه- يعنى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم- لما دعا قومه لما بعثه اللّه من الهدى و النور الذي أنزل عليه، لم يبعدوا منه أول ما دعاهم، و كادوا يسمعون له، حتى ذكر طواغيهم، و قدم ناس من الطائف من قريش لهم أموال، أنكروا ذلك عليه، و اشتدوا عليه، و كرهوا ما قال لهم، و أغروا به من أطاعهم، فانصفق عنه عامة الناس، فتركوه إلا من حفظه اللّه منهم، و هم قليل، فمكث بذلك ما قدر اللّه أن يمكث، ثم ائتمرت رءوسهم بأن يفتنوا من تبعه عن دين اللّه من أبنائهم و إخوانهم و قبائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال على من اتبع رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )من أهل الإسلام فافتتن من افتتن، و عصم اللّه منهم من شاء، فلما فعل ذلك بالمسلمين أمرهم رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )أن يخرجوا إلى أرض الحبشة، و كان بالحبشة ملك صالح يقال له النجاشي، لا يظلم أحد بأرضه، و كان يثنى عليه، مع ذلك صلاح- و كانت أرض الحبشة متجرا لقريش يتجرون فيها، يجدون فيها رفاغا من الرزق، و أمنا و متجرا حسنا- فأمرهم بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة، و خاف عليهم الفتن، و مكث هو فلم يبرح، فمكث بذلك سنوات، يشتدون على من أسلم منهم. ثم إنه فشا الإسلام فيها، و دخل فيه رجال من أشرافهم [١].

و ليس لدينا دليل على أن عروة قد كتب كتابا خاصا بسيرة النبي و لكن كثرة النقول عنه عند ابن إسحاق و الواقدي تدل بصورة قاطعة على أنه- أى عروة- هو أول من دوّن السيرة بشكلها الذي عرف فيما بعد.

وهب بن منبه:

و أما وهب بن منبه فقد ولد فى اليمن، و مع أنه قد زار الحجاز، إلا أنه أمضى جميع حياته فى اليمن. و يصفه ياقوت بأنه كان من خيار التابعين، ثقة، صدوقا، كثير النقل من الكتب القديمة المعروفة بالإسرائيليات [٢].

و نسب إليه ابن النديم: «كتاب المبتدأ» [٣]، و يشير هذا القول إلى احتمال التشابه بين هذا الكتاب و بين القسم الأول من السيرة التي ألفها ابن إسحاق.


[١] الطبري، تاريخ، ج ١، ص ١١٨٠.

[٢] معجم الأدباء، ج ١٩، ص ٢٥٩.

[٣] الفهرست، ص ١٢٨.