المغازي - الواقدي - الصفحة ٣١ - الواقدي

(١) و يبدو واضحا للقارئ الحديث أن من أهم السمات التي تجعل الواقدي فى منزلة خاصة بين أصحاب السير و المغازي تطبيقه المنهج التاريخى العلمي الفنى، فإننا نلاحظ عند الواقدي- أكثر مما نلاحظ عند غيره من المؤرخين المتقدمين- أنه كان يرتب التفاصيل المختلفة للحوادث بطريقة منطقية لا تتغير. فهو مثلا يبدأ مغازيه بذكر قائمة طويلة من الرجال الذين نقل عنهم تلك الأخبار، ثم يذكر المغازي واحدة واحدة مع تأريخ محدد للغزوة بدقة، و غالبا ما يذكر تفاصيل جغرافية عن موقع الغزوة، ثم يذكر المغازي التي غزاها النبي بنفسه و أسماء الذين استخلفهم على المدينة أثناء غزواته، و أخيرا يذكر شعار المسلمين فى القتال، كل ذلك بالإضافة إلى وصفه لكل غزوة بأسلوب موحد، فيذكر أولا اسم الغزوة و تأريخها و أميرها، و يكرر فى بعضها اسم المستخلف على المدينة و تفاصيل جغرافية مما كان قد ذكرها فى مقدمة الكتاب.

و فى أماكن كثيرة يقدم لنا الواقدي قصة الواقعة بإسناد جامع- أى يجمع الرجال و الأسانيد فى متن واحد.

و إذا كانت الغزوة قد نزل فيها آيات كثيرة من القرآن، فإن الواقدي يفردها وحدها مع تفسيرها و يضعها فى نهاية أخبار الغزوة.

و فى المغازي الهامة يذكر الواقدي أسماء الذين شهدوا الغزوة و أسماء الذين استشهدوا أو قتلوا فيها. و من اليسير أن نستدل على فطنة الواقدي و إدراكه كمؤرخ من المنهج الموحد الذي يستعمله.

و إن ما أورده فى الكتاب من التفاصيل الجغرافية ليوحى بجهده و معرفته للدقائق فى الأخبار التي جمعها فى رحلته إلى شرق الأرض و غربها طلبا للعلم و ذلك أيضا دليل على أحقيته فى هذا الميدان بما وصفناه به [١].

و قد تبعه فى اهتمامه بهذه التفاصيل الجغرافية كاتبه و تلميذه محمد بن سعد، بل نراه يزيد على تلك التفاصيل التي عند أستاذه الواقدي.

و جدير بالذكر أن هذه التفاصيل الجغرافية التي أوردها الواقدي تعتبر بحق‌


[١] انظر ما تقدم ذكره فى ص ٦ من هذه المقدمة.