القصيدة المزدوجة - ابن سينا - الصفحة ١٠ - روايات مختلفة
القديمة، فأمر الأمير الشيخ الاشتغال برصد هذه الكواكب، و أطلق له من الاموال ما يحتاج اليه، و ابتدأ الشيخ به، و ولاني اتخاذ آلاتها و استخدام صناعها، حتى ظهر كثير من المسائل، فكان يقع الخلل في أمر الرصد لكثرة الأسفار و عوائقها.
و صنف الشيخ بأصبهان (الكتاب العلائي).
و كان من عجائب أمر الشيخ أني صحبته و خدمته خمسا و عشرين سنة فما رأيته- اذا وقع له كتاب مجدد- ينظر فيه على الولاء، بل كان يقصد المواضع الصعبة منه و المسائل المشكلة، فينظر ما قاله مصنفه فيها، فيتبين مرتبته في العلم و درجته في الفهم.
و كان الشيخ جالسا يوما من الايام بين يدي الامير- و أبو منصور الجبائي حاضر- فجرى في اللغة مسئلة تكلم الشيخ فيها بما حضره، فالتفت أبو منصور الى الشيخ يقول: «انك فيلسوف و حكيم، و لكن لم تقرأ من اللغة ما يرضى كلامك فيها.» فاستنكف الشيخ من هذا الكلام، و توفر على درس كتب اللغة ثلاث سنين، و استهدى كتاب (تهذيب اللغة) من خراسان من تصنيف (أبي منصور الأزهري)، فبلغ الشيخ في اللغة طبقة قلما يتفق مثلها، و أنشأ ثلاث قصائد ضمنها ألفاظا غريبة من اللغة، و كتب ثلاثة كتب: أحدها على طريقة (ابن العميد)، و الآخر على طريقة (الصابي)، و الآخر على طريقة (الصاحب)، و أمر بتجليدها و اخلاق جلدها، ثم أوعز الى الامير، فعرض تلك المجلدة على أبي منصور الجبائي، و ذكر أنا ظفرنا بهذه المجلدة في الصحراء وقت الصيد، فيجب أن تتفقدها و تقول لنا ما فيها. فنظر فيها أبو منصور و أشكل عليه كثير مما فيها، فقال له الشيخ ان ما تجهله من هذا الكتاب فهو مذكور في الموضع الفلاني من كتب اللغة، و ذكر له كثيرا من الكتب المعروفة في اللغة كان الشيخ حفظ تلك الالفاظ منها، و كان أبو منصور مجزفا فيما يورده من اللغة غير ثقة فيها. ففطن أبو منصور أن تلك الرسائل من تصنيف الشيخ، و أن الذي حمله عليه ما جبهه به فى ذلك اليوم، فتنصل و اعتذر اليه. ثم صنف الشيخ كتابا في اللغة سماه (لسان العرب) لم يصنف في اللغة مثله و لم ينقله الى البياض حتى توفي، فبقي على مسودته لا يهتدي أحد الى ترتيبه.