القصيدة المزدوجة - ابن سينا - الصفحة ١٥ - علمه و فلسفته
و ان طريقة (ألبرتس ما جنس) و خلفائه مدينة لابن سينا في كثير من معادلاته و دساتيره.
و ان الشيء النافع من تاريخ المنطق ناتج من تعاليمه من حيث علاقتها بطبيعة الافكار المجردة و وظيفتها. على انه و ان كان (بروفيري) هو الذي نبه الشرق و الغرب الى هذه المسألة، فان العرب كانوا أول من اقترب من الحقيقة فيها تمام الاقتراب.
أما في الفلسفة فيرى الشهرستاني أن ابن سينا جدير بأن يكون نموذجا لفلاسفة الإسلام، و أن حملة أبي حامد الغزالي على الفلسفة و أهلها لم يكن المقصود بها على الحقيقة غير ابن سينا- و من هذا يمكننا أن نعلم مكانة الشيخ الرئيس بين الفلاسفة المسلمين.
ان مذهب ابن سينا في الفلسفة مأخوذ على الاغلب عن أرسطو، و ممزوج بآراء المشائين و أصولهم، و تكاد تكون هذه الفلسفة لاهوتية.
مثال ذلك أنه يقول في تأييد رأيه بضرورة كون العالم حادثا: ان الموجودات كلها- ما سوى اللّه- ممكنة الوجود بالطبع، و تكون واجبة الوجود بفعل المبدع الأول. و بتعبير آخر ان ممكن الوجود قد يكون واجب الوجود.
و تستغرق نظرية (العلم) جزءا مهما من تعاليم ابن سينا، فهو يرى أن للانسان نفسا عقلية ذات وجهين يتجه أحدهما نحو الجسم و يعمل كالعقل العملي بمساعدة الهيئة الظاهرة العليا. و الوجه الآخر معرض لقبول الصور العقلية و الحصول عليها. و الغرض من ذلك أن تكون النفس العقلية عالما معقولا تصدر عنه صور الكائنات و نظامها العقلي.
و ليس في الانسان الا أنه ذو قابلية صالحة للحصول على العقل الذي يساعده العقل العامل. و في استطاعة الانسان أن يؤهل نفسه و يعدها لذلك التأثير بأن يزيل الموانع التي تحول دون اتصال العقل بالظرف الصالح لاستيعابه و هو البدن.
أما درجات هذا العمل في تحصيل العقل فهي أربعة في احصاء ابن سينا، و هو لا يتبع في هذا أرسطو، بل يأخذ بأقوال المفسرين من اليونان: فالدرجة الاولى هي درجة (العقل الهيولاني). و تكون بالقوة لا بالفعل، كحالة الطفل الذي لم يباشر تعلم الكتابة و فيه الاستعداد لها بالقوة. و الدرجة الثانية درجة (العقل بالملكة).