الشفاء - الإلهيات - ابن سينا - الصفحة ٢٢ - ٨- الصدور
صدور الكل عنه، فتعقله علة للوجود، و أول موجود صدر عنه هو العقل الأول، و هو ممكن بذاته، واجب الوجود بغيره. و لا يمكن أن يصدر عنه إلّا جوهر مفارق واحد، لأنه هو نفسه واحد من كل الجهات. و عند العقل الأول تبدأ الكثرة: فبتعقله لواجب الوجود يصدر عنه العقل الثاني، و بتعقله لذاته من ناحية أنه واجب الوجود بغيره تفيض عنه نفس فلكية، و من ناحية أنه ممكن الوجود يفيض عنه الفلك الأقصى. و هكذا حتى نصل إلى العقل العاشر، أو العقل الفعّال الذي يدبّر عالم الأرض. و تصدر عنه الهيولى الأولى و صورها المختلفة، بما فيها النفوس البشرية، و لذا سمى «واهب الصور» [١].
و إنما كانت العقول عشرة تبعا لعدد الأفلاك، على حسب ما قرره بطليموس فى كتاب «المجسطى». حقا إن أرسطو يصعد بها إلى نحو ٥٥، و لكن النظريات الفلكية التي جاءت بعده أدق و أضبط [٢]. فهناك عشرة عقول، منها تسعة لعالم السماوات و واحد لعالم الأرض، و إلى جانبها تسع نفوس فلكية. و هذه العقول تفسر الحركة و التغير، كما تفسر الوجود و الصلة بين اللّه و العالم. فهى مصدر حركة الأفلاك، لأنها قوة غير متناهية.
و إذا كان لكل فلك نفس خاصة به، فإنما تستمد قوتها من عقل الفلك نفسه [٣].
و نستطيع بهذا أن نفسر عبارات وردت على لسان المعلم الأول، و فيها ما يؤذن بالتناقض، و هى «أن الفلك متحرك بطبعه»، أو «أنه متحرك بالنفس»، أو «أنه متحرك بقوة غير متناهية» [٤]. و تتحرك العقول و النفوس الفلكية بعامل الشوق و التشبه بالأسمى.
و بما أنها كلها تعشق واجب الوجود، فالحركة و التغير مردهما فى آخر الأمر إليه [٥].
و العالم مخلوق من عدم، و لكنه قديم، «كان اللّه و خلق»، لا أنه «كان ثم خلق».
لأن القول بحدوث العالم، على نحو ما تصوره «أحداث المتفلسفة الإسلامية»، يؤذن بطروء التغير على اللّه، و هذا محال [٦]. و يظهر أن ابن سينا يشير هنا إلى بعض معاصريه،
[١] المصدر السابق، ص ٤٠٢- ٤٠٨.
[٢] المصدر السابق، ص ٤٠٠.
[٣] المصدر السابق، ص ٣٨٦- ٣٩٤.
[٤] المصدر السابق، ص ٣٩٢.
[٥] المصدر السابق، ص ٣٩٣.
[٦] المصدر السابق، ص ٣٧٦- ٣٨٠.