الشفاء - الإلهيات - ابن سينا - الصفحة ٣ - مقدمة للدكتور إبراهيم مدكور
مقدمة للدكتور ابراهيم مدكور يدعو المحسوس إلى اللامحسوس، و الظاهر إلى الخفى، و الواقعى إلى المثالى. و لم يقنع المرء يوما بالوقوف عند أقرب هذين الطرفين منالا، بل أبى إلا أن يعانق الطرف الآخر، أو يتوهم أنه يفعل. فتفلسف منذ القدم، و استمر فى فلسفته إلى اليوم، و سيتفلسف دائما.
و كانت الفلسفة قديما جماع المعرفة كلها، فلم يكن ثمة فاصل بينها و بين العلم. ثم أخذت العلوم تستقل شيئا فشيئا، فتحدد موضوعها، و رسم منهجها، و وضعت قوانينها. و ظن أنها باستقلالها هذا لن تدع للفلسفة مجالا، إلا أنها خلّفت وراءها مشاكل لا يقوى علم بعينه على حلها. فإذا كانت قد عرضت للأسباب القريبة و المباشرة، فإنها لم توضح الأسباب البعيدة و غير المباشرة. و إذا كانت قد عنيت بالعلل المادية و الفاعلية، فإنها لم تكشف عن العلل الروحية و الغائية. و اضطلعت بذلك كله دراسة خاصة، سميت الفلسفة العامة أو الميتافزيقى.
و قد أضحت الميتافزيقى و كأنها حاجة ماسة و ضرورة لازمة، لا مجرد خرافة. يخلقها العلماء بأنفسهم، و يغذونها بغذائهم. و من أخص خصائص الفكر المعاصر أن العلم يختلط فيه بالفلسفة مرة أخرى اختلاطا كبيرا، فالفلاسفة علماء، و العلماء فلاسفة. و فى عصر الذرة الذي نعيش فيه يجاوز العلم المادة إلى ما وراءها، فيخترق حجب الأثير، و يعيش فى اللامحسوس، و يبحث عن مدركات ما وراء الحس. و يرى بعض أئمة علم الطبيعة المعاصرين أن حقائق الكون لا يمكن أن تفسر تفسيرا تاما إلا إن قلنا بوجود خالق حكيم، و بذا انتهى العالم و الفيلسوف إلى غاية واحدة، و إن تعددت مناهجهما و اختلفت مبادئهما.